القدوس


مقالة في رحاب الأسماء القدوس 1 د آخر تحديث: 2026-03-07
تم نسخ الرابط
القدوس

القدّوس

المُنزَّه عن كلِّ نقصٍ وعيب

أولًا: معنى الاسم والتعريف به

اسم «القدّوس» من الجذر (ق د س) الذي يدل على التطهر والتنزّه والبركة،[1] ومنه «القُدس» بمعنى الطهارة. واسم «القدّوس» على وزن فُعُّول بصيغة المبالغة، للدلالة على المبالغة في الوصف واتّصاف الله تعالى بأعلى درجات القداسة والتنزيه. فلا يُقال: قُدّوس على وجه التسمية لغير الله تعالى؛ لأنه مُختصّ بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد. وقد جاء هذا الاسم الشريف مرتين في القرآن الكريم مقرونًا باسم «المَلِك»، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]، وقال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ [الجمعة: 1]. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن «القدّوس» اسمٌ عظيمٌ لله تعالى، متضمن صفةَ الكمال المطلق والتنزّه الكامل عن كل عيب أو نقص. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾: «﴿الْقُدُّوسُ﴾ أي المنزّه عن كل نقص، والطاهر عن كلّ عيب»[2]، فالله تعالى منزّه في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله عن كل سوءٍ ومثلبةٍ على الإطلاق. وقد فسّر بعض السلف «القدّوس» بمعنى «الطاهر»، وبمعنى «المبارك»، كما جاء في اللسان: «ابْنُ الْكَلْبِيِّ: القُدُّوس الطَاهِرُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]: الطَّاهِر فِي صِفَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ... قَالَ: وجاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنه المُبَارَكُ. والقُدُّوس: هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ»[3]، وكلاهما معنى صحيح مكمِّل للآخر؛ فهو طاهر في ذاته عن النقائص، ومُبارك في صفاته ونعمه على خلقه. وهذا الاسم يفيد كذلك التعظيم والتمجيد بالإضافة إلى ما سبق، قال العلامة السعديّ يفسّر اسم «القدّوس»: «المقدّسُ السالمُ من كل عيب وآفة ونقص، المعظَّم الممجَّد؛ لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله»[4].

ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)

الوقفة الأولى: دلالته على كمال التنزيه والتعظيم: يدل اسم «القدّوس» على أن الله تبارك وتعالى متفرّد بكمال الصفات وتمام النقاء عن كل عيبٍ وآفة. فهو سبحانه: «الموصوف بكل كمال، المنزَّه عن كل عيب ونقص»[5]. قال ابن القيم: «(القدّوس): المنزَّه من كل شرٍّ ونقصٍ وعيب، كما قال أهل التفسير: هو الطاهر من كل عيب، المنزَّه عما لا يليق به»[6]. وإذا كان سبحانه مقدّسًا عن كل ما لا يليق بجلاله، فهذا يستلزم إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، قال النبي ﷺ في مناجاته: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»[7].

الوقفة الثانية: قدسيّتُه تعالى تُبرز كمال ملكه وعدله: اقترن اسم «القدّوس» باسم «المَلِك» في الموضعين الذين ذُكر فيهما، وفي ذلك سرٌّ بديع. فالله تعالى هو الملك الذي بلغ الغاية في الكمال والجلال، ومع ذلك فهو المقدّس المنزّه عن كل ظلمٍ وجَورٍ وعن كل عيبٍ ونقصٍ في ملكه. جاء عقب آية الحشر: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيهًا له عن كل ما نسبه إليه المبطلون من شريكٍ أو وصفٍ لا يليق. وقد أشار ابن كثير إلى معنى الاقتران بين المُلك والتنزّه في قوله عن القدّوس: «أي المنزّه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال»[8]. ومن معاني «القدّوس» أنه الذي له الكمال في كل وصفٍ اختصّ به، وإذا علم العبدُ ذلك اطمأن قلبُه بعدل الله وحكمته في قضائه وقدره.

الوقفة الثالثة: تسبيح الملائكة وتقديسهم لربهم القدّوس: وصف اللهُ الملائكةَ بأنهم يقدّسون له، أي يَنسُبون إليه ما يليق به من التنزيه والتعظيم. حين أخبر اللهُ ملائكته أنه جاعلٌ في الأرض خليفة، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]. علّم اللهُ بذلك عباده التسبيح والتنزيه في عباداتهم، وكان الرسول ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ»[9]. وكان إذا فرغ من صلاة الوتر ختمها بهذا الذكر، يقوله ثلاثًا: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ»[10] ويرفع صوته في الثالثة، وذلك إعلانٌ بتنزيه الملك جل جلاله عن كل ما لا يليق به. فاسم «القدّوس» له وقعٌ عظيمٌ تُسبِّح به الألسنة وتلهج به القلوب؛ وقد جُعلت لنا الأرض كلُّها مسجدًا وطهورًا لنقدّس الله فيها آناء الليل وأطراف النهار.

الوقفة الرابعة: تفرّد الله تعالى بالكمال القدسي: إن الوصف بالقدوس قد تفرّد بحقيقته المطلقة الله تعالى وحده؛ فلا يُمكن لمخلوق ناقص أن يبلغ مقام القداسة والتنزه عن العيوب. فالتقديس المطلق والتنزّه التام عن جميع النقائص هو حقّ خالصٌ للّه وحده، فكما أنه سبحانه ليس له مثيلٌ في ذاته، فليس له شبيهٌ في صفات كماله وقدسيّته، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]. وقد ذكر العلماء أنّ من أسماء الله ما لا يطلق على غيره، كاسم الله والرحمن والقدّوس ونحو ذلك. فتنزيه الربّ وتقديسه من أعظم واجبات العبودية، وهو حقيقة التوحيد الخالص.

ثالثًا: أثر اسم (القدّوس) في حياة المسلم

  1. استشعار عظمة الله وتنزيهه على الدوام: الإيمانُ بأن الله هو القدّوس يورث في القلب تعظيمًا لله لا ينقطع. فكلما ازداد العبد معرفةً بربّه القدّوس، ازداد له تعظيمًا وتنزيهًا وإجلالًا، ونطق لسانه وقلبه بـ«سبحان الله» في كل حال.
  2. تطهير القلب والجوارح من الآثام والأدران: إن التعبّد لله باسمه القدّوس يقتضي أن يسعى العبدُ ليكون عبدًا طاهرًا من الذنوب دائمًا؛ لأن الله طيّب لا يحب إلا الطيّب. وقد أثنى الله على عباده المتطهّرين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. ولذلك كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا طَهَّرْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ»[11]. فإذا تطهر العبدُ ظاهراً وباطناً أقبل على ربّه القدّوس واثقًا بأن الله يتقبّل منه عمله الصالح ويرفعه إليه، لأن الله تعالى «طيّبٌ لا يقبل إلا طيّبًا»[12].
  3. التحلّي بخُلُق التقديس في التعامل: من آمن بربّه القدّوس، استحيا أن يراه مولاه حيث نهاه، أو يفتقده حيث أمره. أمرنا الله تعالى أن نعظّم ما قدّسه من زمان أو مكان أو أشخاص، فالمؤمن يُقدِّس شعائر الله وحرُماته، فإذا كان الله قد قدّس أمكنةً وأزمنةً خاصة فجعلها مباركة، فجديرٌ بالعبد أن يعظّمها، ويزداد بالمقابل يقينًا أن ما سوى الله من المخلوقين –مهما تعاظم قدرهم– فذواتهم وأماكنهم وأزمانهم معرضة للنقص والزوال، فلا يغلو في تقديس بشر أو مكان لم يأذن الله بتعظيمه. وبالجملة، التقديس خصلة ينبغي للمؤمن التحلي بها ضمن الحدود الشرعية: يُنزِّه ربَّه عن كل سوء، ويُنزِّه نفسَه عن المعاصي والقاذورات، ويُنزِّه تعاملَه مع الخلق عن الظلم والدناءة، فيحيا كريمًا طاهرًا يحبُّه الله القدّوس.
  4. ملازمة تسبيح الله وذكره باسمه القدّوس: اسم «القدّوس» مفتاحٌ عظيم لاستجلاب رحمة الله وطمأنينة القلب بذكره سبحانه. فإن معرفة قدسيّة الله تدفع العبد إلى الإكثار من قول «سبحان الله» تنزيهًا لله، خصوصًا عند مشاهدة نقائص المخلوقين أو جهل الجاهلين؛ فإذا رأيتَ من يُسيء الأدب مع الله أو يصفه بما لا يليق، بادرْ إلى قول: «سبحان الله عمّا يقولون»، فهي كلمةُ التقديس لله التي يَعظُم أجرها. وقد ورد في الحديث المتفق عليه: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ »[13]. فالتسبيح والتنزيه عبادة يشارك فيها العبدُ ملائكةَ الرحمن المقدّسين، وهو الذكر الذي يملأ الميزان نورًا وبركة. وقد كان ﷺ يواظب بعد كل صلاة على تسبيح الله وتحميده وتكبيره (ثلاثًا وثلاثين) مرة[14]، وهو لون من ألوان تقديس الله وتعظيمه. فمن داوم على تقديس ربّه بلسانه وقلبه، أورثه الله طُمأنينةً في الروح وطهارةً في النفس وبركةً في العمر والرزق. وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ»[15]، ليوقظ في قلبه معاني التنزيه والتعظيم لربّه الأعلى. وكذلك يُستحب ختام صلاة الوتر بعد السلام بهذا الذكر: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ»[16] ثلاث مرات. فتقديس الله وتنزيهه هو روحُ الصلاة والعبادة، فما قرَّب العبدُ إلى الله شيئًا أحبَّ إليه من تمجيده وتقديسه.

 

 

قائمة المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم
  2. تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد الزَّبيدي، تحقيق عبد الستار أحمد فرّاج وآخرينَ، الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، 1385ه، 1965 وما بعدها
  3. تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
  4. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
  5. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
  6. الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ، 1964م
  7. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بيروت: دار المعرفة، ط1، 1398هـ، 1978م
  8. لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
  9. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت: دار الكتاب العربي، ط3، 1416هـ.، 1996م
  10. مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرينَ، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ، 2001م
  11. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
  12. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت

 


الحواشي

  1. يُنظَر: تاج العروس للزَّبيدي 16/ 357-358
  2. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 45
  3. لسان العرب لابن منظور 2/ 472
  4. تيسير الكريم الرحمن للسعدي 854
  5. مدارج السالكين لابن القيم 3/ 433، ويُنظَر: النهج الأسمى للنجدي 1/ 110-111
  6. شفاء العليل، لابن القيم 179
  7. صحيح مسلم 1/ 352
  8. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/ 115
  9. صحيح مسلم 1/ 353
  10. مسند الإمام أحمد بن حنبل 24/ 72، وفي هامشه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  11. مسند الإمام أحمد بن حنبل 32/ 144، وفي هامشه: " حديث صحيح لغيره".
  12. صحيح مسلم 2/ 703
  13. صحيح البخاري 8/ 86، 139، وصحيح مسلم 4/ 2072
  14. يُنظَر: صحيح البخاري 1/ 168، وصحيح مسلم 1/ 416
  15. صحيح مسلم 1/ 353
  16. مسند الإمام أحمد بن حنبل 24/ 72، وفي هامشه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

مقالات مختارة