المهيمن
الشهيد على خلقه وأعمالهم، الرقيب الحافظ لكلِّ شيء
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم «المُهَيْمِن» يدلُّ على سعة إحاطة الله تعالى بكل شيء علمًا ورقابةً وحفظًا؛ فهو الشاهد على خلقه بأعمالهم، الرقيب عليهم في سرِّهم وعلانيتهم، والحافظ المتكفِّل بأرزاقهم وآجالهم. وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم مرَّةً واحدةً ضمن أسمائه الحسنى في قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِی لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَیۡمِنُ…﴾ [الحشر: 23]. يقول ابن عاشور: «وَتَعْقِيبُ ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ بِـ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ تَأْمِينَهُ عَنْ ضَعْفٍ أَوْ عَنْ مَخَافَةِ غَيْرِهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ تَأْمِينَهُ لِحِكْمَتِهِ؛ مَعَ أَنَّهُ رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِ خَلْقِهِ، فَتَأْمِينُهُ إِيَّاهُمْ رَحْمَةٌ بِهِمْ»[1]. كما وصف اللهُ القرآنَ الكريم بأنه أنزله ﴿مُهَيْمِنًا﴾ على الكتب السابقة؛ أي مؤتمَنًا عليها وشاهدًا بصدقها؛ قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾[المائدة: 48].
والجذر اللغويّ لهذا الاسم يدلّ على معنى السّيطرة والرِّقابة. تقول العرب: هيْمَنَ فلانٌ على الشيء؛ إذا قام على شأنه بالرِّقابة والحفظ، قال الزمخشري: «هيمن على كذا إذا كان رقيباً عليه حافظاً»[2]. وقيل إن «المُهَيْمِن» مشتقٌّ من الأمن والأمانة، بمعنى المؤتمِن والأمين. ولذلك فمعناه في لسان العرب: الشاهد الأمين الذي يؤمِّن غيره من الخوف. وبناءً عليه، فالمهيمن هو الوقوف على الشيء والقيام عليه بالعلم والقدرة والسلطان. يقول الجوهري: «المُهَيْمِنُ: الشَّاهِدُ، وَهُوَ مَنْ آمَنَ غيرَه مِنَ الْخَوْفِ، وأَصله: أَأْمَنَ فَهُوَ مُؤَأْمِنٌ، بِهَمْزَتَيْنِ، قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ يَاءً كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِهِمَا فَصَارَ مُؤَيْمِنٌ، ثُمَّ صُيِّرت الأُولى هَاءً كَمَا قَالُوا: أَراقَ المَاءَ وَهَراقَهُ»[3].
ومن حيثُ الاعتقاد، يُثبت أهلُ السنّة والجماعة اسمَ «المُهَيْمِن» لله تعالى على أنه علَمٌ على الذات الإلهية، متضمّنٌ صفة الهيمنة التامّة؛ أي صفات العلم المحيط والسلطان القاهر والرقابة الدائمة على الخَلْق، يقول البيهقي: «الْمُهَيْمِنُ: هُوَ الشَّهِيدُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَمِينُ، وَقِيلَ: هُوَ الرَّقِيبُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْحَافِظُ لَهُ»[4]. وهم يثبتونه له إثباتًا يليق بجلال الله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف أو تمثيل. قال السعدي جامعًا معاني هذا الاسم: «المهيمِن: المطَّلع على خفايا الأمور وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا»[5]. فهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يغيب عنه مثقال ذرة في الكون: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾ [آل عمران: 5].
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: إحاطةُ المُهَيْمِن وشهادتُه التي لا تغيب: يدلُّ اسم «المهيمن» على كمال علم الله تعالى وكمال مراقبته لخلقه. فهو شهيدٌ على جميع المخلوقات، لا تخفى عليه خافيةٌ من أحوالهم وأعمالهم، بل أحصاها وكتبها عليهم صغيرَها وكبيرَها. قال الزمخشري: «و{الْمُهَيْمِن}: الرقيب على كل شيء، الحافظ له»[6]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «{الْمُهَيْمِن} الشَّهِيد»[7]، يقول تعالى: ﴿...وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 9]، ويقول سبحانه: ﴿...ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46]؛ فالله مشاهدٌ لأعمال عباده، حاضرٌ لا يغيب عنه شيء. وإذا كان بعضُ الخلق قد يتمكَّنون من إخفاء أعمالهم عن أعين الناس، فإنهم لا يستطيعون إخفاءها عن ربِّ الناس؛ بل حتى ما تُكنّهُ الصدور يعلمه المهيمن علم اليقين. وفي الحديث الشريف تعريفٌ للإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[8]، أي استحضارَ العبد دوامَ نظرِ الله إليه ومشاهدته إياه. وروى أبو ذرٍّ رضي الله عنه عن النبي ﷺ في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا…»[9]؛ والمعنى أن أعمال العباد كلَّها محفوظةٌ في علمه ليجازيهم عليها بالعدل. فمن أيقن بذلك عاش في مراقبةٍ دائمةٍ لله وخشيةٍ في السر والعلن، وعلم أن المهيمن لا تأخذه سِنةٌ ولا نومٌ عن متابعة خلقه ورعاية أعمالهم.
الوقفة الثانية: هيمنةُ الله على الخلق حفظًا ورعايةً: تتضمن الهيمنة أيضًا معنى الحفظ والقيام على الشيء. فالله تعالى هو القائمُ على شؤون خلقه بالتدبير والرعاية؛ لا يخرج موجودٌ عن تقديره. وقد ذكر ابن الأثير أن من معاني "المهيمن": «القائم بأمور الخلق»[10]، وذكر كذلك من معانيه في الموضع نفسه: «المؤتَمَن»، أي الذي يؤتمن على مصالح عباده وأقدارهم, فلا يضيع عنده حقُّ أحدٍ ولا رزقُه، بل يحفظُ الخلق. ومعنى هذا الاسم قريبٌ من اسمه تعالى «الحفيظ»؛ قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: 57] أي حافظٌ ومدبِّرٌ لكل شيء. فهو الذي بيده آجالُ العباد وأرزاقُهم، ولا يقع شيءٌ إلا بإذنه وحفظه. وقد تكفَّل الله بحفظ المؤمنين من المهالك ما دام في أعمارهم بقية، فإذا حان الأجلُ رفع حفظَه وأمضى قضاؤه. فكلُّ من كان بالله أعلمَ وفي أمره أتقى كان منه أخوفَ وعلى حفظه وأمنه أرجى؛ ومن كان في غفلة عن ربِّه ومعصيةٍ له كان أبعدَ عن لُطفه وتأييده.
الوقفة الثالثة: المُهَيْمِن وتصديقُ الوعد والوعيد: حمل بعض المفسرين «المهيمِن» على معنى “المُصَدِّق” لكلِّ خبرٍ ووعدٍ يجيء من عند الله. فهو سبحانه صدّيق عباده فيما أخبر ووعد، لا يُخبِر إلا بالحق، ولا يعد إلا بالصدق. وقد وصف الله القرآن بأنه مُهيمِنٌ على الكتب السابقة أي مصدِّقٌ لها، وكذلك ربُّنا مُهَيْمِن على خلقه في أنه يصدق المؤمنين ثوابهم والكافرين عقابهم؛ فلا يظلم ربك أحدًا، ولا يُخلف وعده ولا وعيده. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]، فكلُّ ما جاء في وحيه من بشاراتٍ للمطيعين أو إنذاراتٍ للعاصين فهو حقٌّ وصدقٌ سيتحقق، ولولا هيمنتُه على الغيب والشهادة ما استطاع أحدٌ غيرُه أن يَعِدَ بهذا القطع والجزم. فمِن ثَمَّ كان المهيمن سبحانه مستحقًا أن يفوّض المؤمنون إليه كلّ أمورهم، ثقةً في وعده وتسليمًا لحكمه.
ثالثًا: أثر اسم «المُهَيْمِن» في حياة المسلم
- دوام المراقبة وتحقيق الإحسان: الإيمانُ بأن الله تعالى مُهَيْمِن يورث في القلب يقينًا بأن السرَّ والعلنَ عنده سواء، وأنه سبحانه مطَّلعٌ على الضمائر والسرائر. فإذا رسخ هذا اليقين في نفس المؤمن، صار يعبد الله كأنه يراه، ويستحيي أن يطّلع عليه مولاه وهو على معصية أو تقصير. وهذا أساس مقام الإحسان الذي عرَّفه النبي ﷺ بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[11]. ومن ثمرات ذلك ترك الرياء وتحري الإخلاص؛ لأن العِبرة بنظر المهيمِن لا بنظر الناس. فمن راقب الله في خلوته حفظه الله في جلوته، ومن حفظ حدود الله حفظه الله ورعاه.
- الأمان والثقة بعدل الله تعالى: من معاني «المهيمن» أنه سبحانه المؤَتمَن الذي لا يضيع عنده حقٌّ ولا أمانة. فإذا علم العبد أن ربَّه حفيظٌ لأعماله وأقواله كلها اطمأن قلبُه إلى عدل الله وحكمته، وزال عنه الخوف من وقوع الظلم. فالله لا يُغفِله عمل عامل، ولا ينسى ظُلامة مظلوم، بل تكفَّل بنصرة المظلوم ولو بعد حين؛ وفي الحديث المتفق عليه: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[12]. كذلك يملأ اليقينُ بهيمنة الله قلبَ المؤمن رجاءً وأملًا، ويمنعه من القنوط مهما تراكمت عليه الابتلاءات؛ لأن ربه لا يغفل عنه ولا يخذله، بل يحفظ عمله الصالح ويجازيه عليه أحسن الجزاء. قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، أي إن كنتم محقِّقين للإيمان بأسماء الله وصفاته، ومنها إيمانكم بأن ربكم مهيمن، فثقوا بأنه لن يضيعكم وهو أرحم الراحمين.
- حسن التوكل وتفويض الأمر لله: إن الإيمان بتمام هيمنة الله يستلزم التسليمَ لله في تدبير شؤون الخلق، فلا يجزع المؤمن من أقدار الله المؤلمة، بل يفوِّض أمره كلَّه إلى الحافظ العليم. فإذا نزلت بالعبد مصيبة أو خاف مكروهًا، تذكَّر أن له ربًّا مهيمنًا على كل شيء، فيوكِل إليه حِفظَ نفسه وأهله، ويركن إلى ركنٍ شديد لا يعتريه ضعفٌ ولا غفلة. فكلُّ من أيقن أن الله هو المهيمن، اطمأن قلبُه بأنه لا يقع شيءٌ في الكون إلا بعلم الله وإذنه، فلا يضطرب عند الشدائد لأنه في جوار الله وحفظه. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. فهو كافيه وحسيبه الذي لا يتخلّى عنه.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- أساس البلاغة، محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: محمد باسل عيون السود، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1419هـ، 1998م
- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط1، 1401هـ.
- التحرير والتنوير: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، محمد الطاهر ابن عاشور، تونس: الدار التونسية للنشر، ط1، 1404هـ - 1984م
- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ينسب لعبد الله بن عباس، جمعه: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين، ط4، 1407هـ ، 1987م
- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، محمود بن عمر الزمخشري، بيروت: دار الكتاب العربي، ط3، 1407هـ
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية، ط1، 1399هـ، 1979م
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- التحرير والتنوير لابن عاشور 28/ 122
- أساس البلاغة للزمخشري 2/ 381
- الصحاح للجوهري 6/ 2217-2218، ومثله في لسان العرب لابن منظور 13/ 436
- الاعتقاد للبيهقي 59، ويُنظَر: النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 130-132
- تيسير الكريم الرحمن 947
- الكشاف للزمخشري 4/ 509
- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، 466
- صحيح البخاري 1/19، 6/115
- صحيح مسلم 4/1994
- النهاية في غريب الحديث والأثر 5/ 275
- صحيح البخاري 1/19، 6/115
- صحيح البخاري 2/128، 5/162، وصحيح مسلم 1/ 50