العزيز


مقالة في رحاب الأسماء العزيز 1 د آخر تحديث: 2026-03-07
تم نسخ الرابط
العزيز

العزيز

الغالبُ الذي لا يُغلب، والمنيعُ الذي لا يُنال

أولًا: معنى الاسم والتعريف به

اسم «العزيز» من الأسماء العظيمة التي تكرر ورودها في القرآن الكريم، واقترنت بصفات الجلال والكمال، وهو اسمٌ دالٌّ على كمال القوة والعزة التي لا يعتريها نقص. وهو في اللغة من مادة (ع ز ز) التي تدلّ على الشدة والقوة والغلبة. قال ابن فارس: «(عَزَّ): العَيْنُ وَالزَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى شِدَّةٍ وَقُوَّةٍ وَمَا ضَاهَاهُمَا، مِنْ غَلَبَةٍ وَقَهْرٍ»[1]، وقال ابن منظور: «والعِزَّة: الرِّفْعَةُ وَالِامْتِنَاعُ... والعَزازُ: المَكَانُ الصُّلْبُ...... ورَجُلٌ عَزِيزٌ: مَنِيعٌ لَا يُغْلَبُ وَلَا يُقْهَرُ»[2]، فالعزيز في اللغة هو الممتنع الذي لا يقدر عليه أحد، وهو الغالب الذي لا يغلبه شيء.

وقد جاء هذا الاسم الشريف في القرآن الكريم عشرات المرّات، تارةً منفردًا وتارةً مقترنًا بأسماء أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: 66].

وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن «العزيز» اسمٌ من أسماء الله الحسنى، يتضمن صفة «العزة» لله تعالى على وجه الكمال والإطلاق. وقد حرر الإمام ابن القيم معاني هذا الاسم تحريرًا بديعًا، مبينًا شموله لثلاثة معانٍ للعزة، فقال: «وَالعِزَّةُ يُرَادُ بِهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: عِزَّةُ الْقُوَّةِ، وَعِزَّةُ الِامْتِنَاعِ، وَعِزَّةُ الْقَهْرِ، وَالرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ العِزَّةُ التَّامَّةُ بِالِاعْتِبَارَاتِ الثَّلَاثِ»[3]، وقد أكّدها السعديّ فقال: «"العزيز": الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع. فامتنعَ أن ينالَه أحدٌ من المخلوقات، وقهرَ جميع الموجودات، ودانت له الخليقةُ وخضعت لعظمته»[4]، فالله سبحانه هو العزيز الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فلا يمتنع عليه شيء، وهو القوي الذي لا يعتريه ضعف، الممتنع الذي لا يُرام جنابه، الغالب الذي لا يُغلب. قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿العَزِيزُ﴾: «أي: الذي قد عزَّ كل شيء فقهره، وغلب الأشياء، فلا يُنَال جنابُه لعزّته وعظمته وجبروته وكبريائه»[5].

ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)

الوقفة الأولى: شموله لمراتب العزة الثلاث: إن المتأمل في اسم الله «العزيز» يجد أنه يجمع معاني القوة والغلبة والامتناع، وهي المعاني التي فصلها ابن القيم في نونيته حين قال:

وَهُو العزيزُ فلنْ يُرامَ جنابُه *** أنَّى يُرامُ جَنابُ ذِي السُّلطانِ

وَهُو العزيزُ القاهرُ الغالبُ لم *** يَغلبْه شيءٌ هذهِ صِفتانِ

وَهُو العزيزُ بقوةٍ هي وصفُه *** فالعِزّ حينئذ ثلاثُ معانِ[6]

فالمعنى الأول: عزة الامتناع، أي أنه سبحانه غنيٌّ عن خلقه، لا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغه كيد الكائدين ولا مكر الماكرين، كما جاء في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي»[7]، والمعنى الثاني: عزة القهر والغلبة، فهو سبحانه قهرَ المخلوقات كلّها، فدانت له وخضعت لمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا رادَّ لقضائه ولا معقِّب لحكمه، والمعنى الثالث: عزة القوة، فهو القوي المتين الذي لا يعتريه عجز ولا ضعف، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58].

الوقفة الثانية: اقترانه بالحكمة والرحمة: من لطائف القرآن الكريم اقتران اسم «العزيز» بأسماء أخرى؛ لبيان كمال التصرف والتدبير. فكثيرًا ما يقترن باسم «الحكيم»، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 9]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4]. وفي هذا سرٌّ عظيم؛ فالعزة المجردة قد توهم الطغيان والقسوة في حقّ المخلوقين، لكنّ عزّة الله عزةٌ مقرونة بالحكمة، فلا يضع قوته وقهره إلا في موضعها اللائق بها حكمةً وعدلًا، فإذا كان العزيز من الناس قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم غيره؛ ولا يُحكِم فعله؛ فإن الله العزيز عزيز حكيم: لا يظلم، ولا يجور في فعله[8]. وكذلك اقترن باسم «الرحيم» في سورة الشعراء تسع مرات عقب ذكر إهلاك الأمم المكذبة؛ ليدل على أن إهلاكه للظالمين كان بعزته وقدرته، وأن تنجيته المؤمنين كان برحمته ولطفه، فكانت عزته رحمةً لأوليائه ونقمةً على أعدائه.

الوقفة الثالثة: العزة لله ولرسوله وللمؤمنين: لما كان الله هو العزيز بإطلاق، ومصدر العزة كلها، فإنه لا سبيل لنيل العزة إلا بالانتساب إليه والتمسك بطاعته. قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]. وقد بيّن سبحانه أن العزة الحقيقية هي التي يهبها لعباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]. فمن ابتغى العزة في غير رحاب الله، أو طلبها بموالاة أعداء الله، فقد ضل الطريق وأورد نفسه موارد الذل والهوان، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139]. وعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين، فكلما ازداد العبد طاعة لله، زاده الله عزًا ورفعةً ومهابةً في قلوب الخلق.

الوقفة الرابعة: عزة الله تقتضي كمال الوحدانية: إن اسم «العزيز» يقتضي أن يكون المتّصف به واحدًا أحدًا، لا شريك له ولا ندّ؛ لأن الشركة تقتضي التنازع والضعف، والعزة الكاملة تأبى ذلك. فالعزيز تشتد الحاجة إليه. ولذلك قال سبحانه عقب ذكر عزته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. قال الإمام القرطبي: «والغالب الذي لا يغلبه غالب... والعزيز: المنيع الغالب الذي لا يُرَدّ أمرُه»[9]. فلو كان ثمة إله آخر لنازعه في الملك والعزة، ولذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، فسبحان رب العزة عما يصفون.

ثالثًا: أثر اسم (العزيز) في حياة المسلم

  1. استشعار الهيبة والذل والانكسار لله: إن معرفة العبد بأن ربه هو «العزيز» الذي لا يُغلب، و«القاهر» الذي لا يُمانَع، تورث في قلبه ذلًا وانكسارًا لعظمته. فمن عرف نفسه بالضعف والعجز، عرف ربه بالعز والقدرة. وهذا الذل بين يدي الله هو عين العزة، كما قال بعض السلف: «من أراد عزًّا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فليخرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة». فكلما ازداد العبد تذللًا لله، زاده الله عزًّا ورفعة. قال رسول الله ﷺ: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»[10].
  2. طلب العزة من مالكها والاستغناء عن الخلق: إن الإيمان باسم الله العزيز يحرّر العبد من رق العبودية للخلق، ومن الخوف منهم أو رجائهم؛ لأنه يوقن أن نواصي العباد بيد العزيز، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. فلا يذلّ نفسه لغني من أجل ماله، ولا لذي سلطان من أجل جاهه، بل يطلب الحوائج بعزة النفس من العزيز الوهاب. قال الشيخ السعدي: «"العزيز": الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع. فامتنعَ أن ينالَه أحدٌ من المخلوقات، وقهرَ جميع الموجودات، ودانت له الخليقةُ وخضعت لعظمته»[11]. فإذا استقر هذا في القلب، لم يلتفت العبد لغير ربه، وعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فعاش عزيز النفس، قوي اليقين.
  3. الثقة بنصر الله والاطمئنان لتدبيره: من آمن بـ«العزيز» اطمأنّ قلبه بوعد الله، ووثق بنصره لأوليائه وقهره لأعدائه، مهما انتفش الباطل أو علا صوته. فإن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21]. فالعزيز هو الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون. وهذا يورث المؤمن شجاعة في الحق، وثباتًا في المواقف، ويقينًا بأن العاقبة للمتقين. قال تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62]. فكانت العزة لله ولرسوله، وأهلك الله فرعون وجنوده، وجعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق.
  4. التخلق بأخلاق العزة في مواضعها: إن المؤمن يتعبد لله باسمه العزيز بأن يكون عزيزًا في دينه، مترفعًا عن الدنايا، لا يرضى بالدون، ولا يداهن في الحق. فعليه أن يكون عزيزًا على الكافرين، ذليلًا رحيمًا بالمؤمنين، كما وصف الله عباده الذين يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. فالعزة هنا ليست الكبر ولا التجبر، وإنما هي الصلابة في الدين، والأنفة عن الباطل، والترفع عن مساوئ الأخلاق. قال الراغب الأصفهاني: «العزة حالة مانعة للإنسان من أن يُغلَب»[12]. فينبغي للمسلم أن يصون وجهه عن سؤال الناس، ويحفظ كرامته عن مواطن الريبة والذلة، مستمدًّا ذلك من عزته بالله وكتابه ورسوله.

 

قائمة المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم
  2. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان البُستي، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1408هـ، 1988م
  3. تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
  4. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
  5. الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ، 1964م
  6. سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
  7. سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
  8. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بيروت: دار المعرفة، ط1، 1398هـ، 1978م
  9. لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
  10. متن القصيدة النونية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ط2، 1417هـ
  11. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت: دار الكتاب العربي، ط3، 1416هـ، 1996م.
  12. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
  13. معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس القزويني، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، ط1، 1399هـ، 1979م
  14. المفردات في غريب القرآن، الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دمشق، بيروت: دار القلم، الدار الشامية، ط1، 1412هـ
  15. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت

الحواشي

  1. مقاييس اللغة لابن فارس 4/ 38
  2. لسان العرب لابن منظور 5/ 374- 376
  3. مدارج السالكين لابن القيم 3/ 241
  4. تيسير الكرم الرحمن للسعديّ 946، ويُنظَر: النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 136-137
  5. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/ 80
  6. متن القصيدة النونية لابن قيم الجوزية 205
  7. صحيح مسلم 4/ 1994
  8. يُنظَر: شفاء العليل 200
  9. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/ 338، 13/ 231
  10. صحيح مسلم 4/ 2001
  11. تيسير الكرم الرحمن للسعديّ 946
  12. المفردات في غريب القرآن 563

مقالات مختارة