الخالِقُ
الذي خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم «الخالِق من الأسماء الدالّة على كمال قدرة الله وعظمته، وهو مشتق من مادة (خ ل ق) التي تدور في اللغة على معنيين أساسيين: أحدهما التقدير، والآخر الإيجاد. ففي اللغة يُقال: خَلَقَ الأديمَ (الجِلْدَ) إذا قدَّره قبل أن يقطعه ليصنعَ منه قِربَةً أو خُفًّا. قال الأزهري: «والخَلْقُ فِي كَلَامِ العَرَب: ابْتِدَاعُ الشَّيْءِ على مِثالٍ لم يُسْبَقْ إليْه. وَقَالَ أَبو بَكْر بنِ الأَنبارِيِّ: الخَلْقُ فِي كَلَامِ العَرَب على ضَرْبَيْنِ: أَحدهما: الإِنشاء على مثالٍ أَبدعَه، والآخر: التَّقْدِير. وَقَالَ فِي قَول اللهِ جَلَّ وَعزّ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14] مَعْنَاهُ: أحسنُ المُقدِّرينَ»[1].
واسم «الخالِق» في حق الله تعالى يجمع بين هذين المعنيين العظيمين: التقدير، والإيجاد من العدم. قال ابن الأثير: «فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (الخَالِقُ): وَهُوَ الَّذِي أوْجدَ الْأَشْيَاءَ جميعَها بَعْدَ أَنْ لَمْ تكنْ مَوْجُودة. وَأَصْلُ الخَلْقِ التَّقْدير فَهُوَ باعتِبار تَقْدِيرِ مَا مِنْهُ وُجُودُها [مُقدِّرٌ]، وَبِاعْتِبَارِ الْإِيجَادِ عَلَى وَفْق التَّقْدِيرِ: خَالِقٌ»[2]، وقال الزَّبيديّ: «والخالِقُ فيْ صِفاتِه تَعالَى وعَزَّ: المُبْدِعُ للشَّيْءَ، المُخْتَرِع على غَيرِ مِثالٍ سَبَقَ. وقالَ الأزْهَرِي: «هُوَ الّذِي أوْجَدَ الأشْياءَ جَمِيعَها بعدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً»[3]. وقال الزجاج: «فالخَلْقُ فِي اسْم الله تَعَالَى: هُوَ ابْتِدَاء تَقْدِير النَّشء، فَالله تَعَالَى خَالِقهَا ومُنشِئُها، وَهُوَ مُتَمِّمُها ومُدَبِّرُها»[4].
وقد ورد هذا الاسم الكريم واتصاف الله بالخلق في القرآن الكريم في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24]، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: 3].
فالخالِق سبحانه هو الذي قدَّر الأمور في الأزل بعد أن كانت معدومة، ثم ركَّب الأشياء بقدرته ترتيبًا، وأبرزها إلى الوجود وفق علمه السابق ومشيئته النافذة.
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: التفرد بالخلق دليل الوحدانية: يدل اسم «الخالِق» دلالة قاطعة على أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد الذي لا شريك له؛ إذ كيف يُعبَد من لا يَخلُق؟ وقد حاجَّ اللهُ المشركين بهذا البرهان الساطع، مبينًا عجز آلهتهم المزعومة، فقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17]. وإن تفرد الله بالخلق يقتضي إفراده بالعبادة، فكما أنه لا خالق سواه، فيجب ألا يُعبَد إلا إياه. فـ«الله تعالى موصوف بأنه "الرب" قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه "خالق" قبل أن يوجد مخلوق... [فهو] سبحانه وتعالى موصوف بأنه "مُحيي الموتى" قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه "خالق" قبل خلقهم»[5] ، فالله الخالق ربّ العالمين قبل وجود العالمين وحال وجودهم؛ وبعد فناء من شاء منهم؛ فهو الرب قبل أن توجد المربوبات. وإذا أقر العبد بأن الله هو الخالق لكل شيء، لزمه أن يقر بأنه المالك والمدبر، وهذا يستلزم توحيد الألوهية.
الوقفة الثانية: مراتب الخلق بين التقدير والإيجاد: من أسرار اسم «الخالِق» أنه يتضمن مراتب القدر التي آمن بها السلف الصالح. فالخلق ليس مجرد الإيجاد الفوري، بل يسبقه علم وتقدير. وقد بيّن العلماء أن الخلق في حق الله تعالى يجري على مراحل من العلم والكتابة والمشيئة ثم التنفيذ. قال ابن القيم في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر: «هي أربع مراتب: المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها، المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها، المرتبة الثالثة: مشيئته لها، الرابعة: خلقه لها»[6]. فاسم الخالق يدل على أن الله عليم بما سيخلق، قدَّره في اللوح المحفوظ، ثم شاء وجوده، ثم أوجده بقدرته. ولهذا اقترن اسم الخالق باسم العليم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: 86]، للدلالة على أن خلقه صادر عن علم محيط وحكمة بالغة.
الوقفة الثالثة: التكامل بين الخالق والبارئ والمصور: كثيرًا ما يقترن اسم «الخالِق» باسمَي «البارئ» و«المصوِّر» كما في خواتيم سورة الحشر. وهذا الترتيب فيه سرّ بديع يحكي تسلسل الإيجاد. فالخالق هو المقدِّر، والبارئ هو المخرج من العدم إلى الوجود المميز للأعيان، والمصوِّر هو الذي يعطي كل مخلوق هيئته الخاصة. فإذا اجتمعت هذه الأسماء في سياق واحد، دلّ «الخالق» على التقدير، و«البارئ» على الإيجاد وفق ذلك التقدير، و«المصور» على تشكيل تفاصيل الصورة والهيئة. قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14].
الوقفة الرابعة: التحدي بالخلق وبيان عجز ما سواه: من دلالات عظمة «الخالِق» أنه تحدى كل ما سواه أن يخلقوا ولو شيئًا حقيرًا، ليظهر عجزهم التام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73].
وقد ورد هذا التحدي في السُّنة النبوية كذلك، ففي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً »[7]، وفي هذا تنبيه على أن الخلق صفة اختص الله بها، حتى في أدق الأشياء كالذرة والشعيرة، فلا يجوز لأحد أن ينازعه في كبريائه وانفراده بالإيجاد.
ثالثًا: أثر اسم (الخالِق) في حياة المسلم
- تعظيم الله وإفراده بالعبادة: إن الإيمان بأن الله هو الخالق الموجِد لكل شيء يورث في القلب تعظيمًا لا يتزعزع، ويقود العبد إلى إفراد الله بالعبادة. فمن أيقن أن الله خلقه وخلق السماوات والأرض، لم يلتفت قلبه إلى غيره، ولم يرجُ نفعًا ولا ضرًا إلا منه. قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: 102]. فـ«ـجميع الأشياء -غير الله- مخلوقة»[8]، والعبد الموحِّد يعلم أن ما سوى الله مخلوق مربوب، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فكيف يُعبَد مَن دون الخالق؟ وهذا يثمر التوكل التام على الله، لأنه هو الخالق للأسباب والمسببات.
- التفكّر في بديع صنع الله: إن اسم «الخالِق» يدعو المؤمن إلى إعمال عقله في ملكوت السماوات والأرض، ليزداد إيمانًا ويقينًا. فكل ذرة في الكون، وكل خلية في الجسد، تنطق بعظمة الخالق. يقول الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]. والله الخالق هو: «خالق الحبّ والنوى: يَصونُها في الأرض عن العَفَن والفساد، ويُهيئهما للنشوء والنمو، ثم يشقّهما للإنبات، ويخرج من الحَبّ الزرع، ومن النّوى الشجر، لا يقدر على ذلك غيره»[9]. وقد أشار الحَليمي إلى أن الله سبحانه يرعى العباد ويربيهم في أحوالهم وأطوارهم، فيقول: «(الرب) هو المبلِّغ كلّ ما أبدع حدّ كماله الذي قدره له، وهو يَسُلُّ النُّطفةَ مِن الصُّلب، ويجعلها علقة، ثم يجعل المضغة عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم يُخرجه خلقًا آخر وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينمّيه...»[10]، هذا التفكر في أطوار الخلق يملأ القلب إجلالًا للملك الحق، ويدفع اللسان للتسبيح والتحميد.
- الابتعاد عن مضاهاة خلق الله (التصوير): من آثار الإيمان باسم الخالق، أن يبتعد المسلم عن كل ما فيه مضاهاة لخلق الله، مثل تصوير ذوات الأرواح (التماثيل والمجسمات) بنية التشبه بالخالق أو التعظيم. فقد جاء الوعيد الشديد في ذلك حماية لجناب التوحيد وتأدبًا مع الله. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[11]. فالمسلم يتأدب مع ربه، ويعلم أن التصوير الحقيقي ونفخ الروح هو من خصائص الخالق سبحانه، فلا يتعدى طوره البشري.
- اليقين بالبعث والنشور: إن الذي خلق الخلق أول مرة قادر على إعادتهم، وهذا من مقتضيات اسم «الخالِق». فمن آمن بالخالق، آمن بالبعث لا محالة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]. وقد رد الله على من أنكر البعث بقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: 81]. فاستحضار هذا الاسم يجدد الإيمان باليوم الآخر، ويجعل العبد يستعد للقاء ربه، عالمًا أن من أنشأه من عدم قادر على بعثه من القبور ليجازيه على عمله.
- التواضع ونفي الكبر: حين يدرك الإنسان أنه مخلوق من نطفة، وأن الله هو الذي صوره وشق سمعه وبصره، يذهب عنه داء الكبر والغرور. كيف يتكبر من أوله نطفة وآخره جيفة؟ فمعرفة «الخالِق» تضع العبد في موضعه الصحيح؛ عبدًا فقيرًا إلى مولاه، وتضع الرب في موضعه العلي؛ إلهًا غنيًّا عن خلقه. وهذا يثمر انكسارًا بين يدي الله، واعترافًا بالفضل له وحده، كما في دعاء النبي ﷺ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا...» إلى قوله: «اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ»[12] (رواه مسلم 771).
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد الزَّبيدي، تحقيق عبد الستار أحمد فرّاج وآخرينَ، الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، 1385ه، 1965 وما بعدها
- تفسير أسماء الله الحسنى، إبراهيم بن السَّرِي الزَّجَّاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، بيروت: دار الثقافة العربية، ط5، 1406هـ، 1986م
- تهذيب اللغة، محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: محمد عوض مرعب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط1، 2001م.
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- شرح العقيدة الطحاوية، محمد بن علاء الدين ابن أبي العز الحنفي، تحقيق: أحمد شاكر، الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ط1، 1418هـ.
- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بيروت: دار المعرفة، ط1، 1398هـ، 1978م
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- المنهاج في شعب الإيمان، الحسين بن الحسن بن محمد أبو عبد الله الحَليمي، تحقيق: حلمي محمد فودة، بيروت: دار الفكر، ط1، 1399هـ/1979م
- النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية، ط1، 1399هـ، 1979م
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- تهذيب اللغة للأزهري 7/ 16، ويُنظَر: لسان العرب لابن منظور 10/ 87
- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/70
- تاج العروس للزَّبيديّ 25/ 251
- تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج 36-37، ويُنظَر: النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 1/ 160-162
- شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي 92
- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر لابن القيم 29
- صحيح البخاري 9/ 161، وصحيح مسلم 3/ 1671
- تفسير الكريم الرحمن للسعدي 728
- المنهاج في شعب الإيمان للحَليمي 205
- المنهاج في شعب الإيمان للحَليمي 205
- صحيح البخاري 7/ 168، وصحيح مسلم 3/ 1669
- صحيح مسلم 1/ 534