المصور


مقالة في رحاب الأسماء المصور 1 د آخر تحديث: 2026-03-07
تم نسخ الرابط
المصور

المُصوِّر

المصوِّر... مُبدعُ صُورِ الخلائق ومُميِّزُها

أولًا: معنى الاسم والتعريف به

اسم «المصوِّر» في اللغة اسم فاعل للموصوف بالتصوير، وفعله صوَّر، والصورة هي الشكل والهيئة، وصوَّر الشيء أي جعل له شكلًا معلومًا. قال الزجاجي: «المصوِّر: اسمُ الفاعلِ مِن صَوَّرَ يُصَوِّرُ فَهو مُصَوِّرٌ: إِذَا فَعَلَ الصُّورَةَ، والمصدر: التَّصوِير، والصُّورَةُ: شخصُ الشيء وهيئتُه من طُول وعَرْض، وكِبَر وصِغَر، وما اتَّصلَ بِذلكَ وتَعلّقَ بِه مِمَّا يُكٍمِلُه فيُرَى مُصَوَّرًا. فالله عزّ وجلّ مُصَوِّرُ الصُّورِ وخَالِقُهَا»[1]، وقال الراغب في تعريف الصورة: «الصورة: ما ينتقش به الأعيان ويتميز بها غيرها؛ وذلك ضربان: أحدهما محسوس يدركه الخاصة والعامة؛ بل يدركه الإنسان وكثير من الحيوان كصورة الإنسان والفرس والحمار بالمعاينة؛ والثاني معقول يدركه الخاصة دون العامة كالصورة التي اختصّ الإنسان بها من العقل والروية والمعاني التي خص بها شيء بشيء، وإلى الصُّورَتَيْنِ أشار بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: 11]... وقال: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8]»[2]، وقال ابن منظور: «وتَصَوَّرْتُ الشيءَ: تَوَهَّمْتُ صورتَه فتصوَّر لِي. والتَّصاوِيرُ: التَّماثِيلُ... وصورةُ الأَمرِ كَذَا وَكَذَا أَي صِفَتُه»[3]، واسم «المصوِّر» سبحانه وتعالى يدلّ على أنه: «الَّذِي صَوَّرَ جميعَ المَوُجُوداتِ ورتَّبها، فأعْطَى كلَّ شَيْءٍ مِنْهَا صُورَة خاصَّةً، وهيْئةً مُنْفَرِدةً يتَميَّزُ بِهَا عَلَى اختلافِها وكْثرتِها»[4]. فاسم «المصوِّرُ»: يدل على أن الله: «تَعَالَى مُصَوِّرُ كُلّ صُورَةٍ لَا علَى مِثَالٍ احْتَذَاهُ وَلَا رَسْمٍ ارْتَسَمَهُ»[5].

وقد ورد هذا الاسم الكريم «المصوِّر» في القرآن الكريم مرة واحدة في سياق سرد الأسماء الحسنى في خواتيم سورة الحشر، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: 24]. وجاء بصيغة الفعل في مواضع متعددة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 6]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: 11][6].

ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)

الوقفة الأولى: الترتيب البديع بين الخالق والبارئ والمصوّر: اقترن اسم «المصوِّر» باسمَي «الخالق» و«البارئ» في سورة الحشر، وهذا الترتيب فيه سرّ بديع يمثل مراتب الإيجاد. قال ابن كثير في تفسيره: «(المُصَوِّرُ): أَي الَّذِي يُنَفِّذُ ما يُريد إيجادَهُ عَلى الصِّفةِ الَّتي يُريدُها»[7] ويَختارُها، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8]، ولهذا قال: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24]، أي: الّذي إِذا أرادَ شيئًا قَال له: كُنْ فَيكونُ على الصِّفةِ الّتي يُريدُ والصُّورةِ الّتي يَختار»[8]، فالخالق هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، وهيئات متباينة كل واحد بصورته الخاصة وهيئة يعرف بها ويتميز بها عن غيره بسماتها[9]، فالمصوّر هو الذي يُميّز الشيء عن غيره ويفصله، فالخالق هو المقدر، والبارئ هو الموجد من العدم، والمصور هو المزيِّن والمعطي الصورة النهائية.

الوقفة الثانية: التصوير في الأرحام وتنوع الخلق: من أعظم دلالات اسم «المصوِّر» قدرته سبحانه على تشكيل الأجنة في ظلمات الأرحام. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 6]. إن هذا التنوع الهائل في صور البشر، حيث لا يتطابق إنسانان تمام التطابق حتى في التوائم، ولاسيما في بصمات الأصابع، دليلٌ قاطع على عظمة المصوِّر. قال الله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4]، وهذا من دقائق تصويره سبحانه. إن تباين مخلوقات الله في الصور والأشكال، والألوان، والطبائع، والأصوات، بل وحتى في بصمات العيون والأصوات، هو آية كبرى دالة على وحدانية المصوِّر وقدرته التي لا يعجزها شيء.

الوقفة الثالثة: خلق آدم على صورته: ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا،...»[10]هذا الحديث يجب فهمه وفق منهج أهل السنة والجماعة، بإثبات اللفظ وتنزيه الله عن مماثلة المخلوقين، فليس كمثله شيء. فالحديث ظاهر المعنى في أن الله سبحانه صوّر آدم وجعل له سمعًا وبصرًا وعلمًا وحكمًا وخلافة وملكًا وغير ذلك من الأوصاف المشتركة عند التجرد؛ والتي يصح عند إطلاقها استخدامها في حق الخالق والمخلوق... فإضافة الصورة إلى الله في الحديث هي إضافة تشريف وتكريم لآدم، ولبيان أن الله خلقه سميعًا بصيرًا متكلمًا، وله مشيئة، وهذه صفات تليق بالمخلوق، ولله صفات تليق بجلاله، ولا تماثل بينهما.

الوقفة الرابعة: حسن الصورة وجمال الخلق: من كمال اسم «المصوِّر» أنه لم يجعل الخلق مجرد كتل جامدة، بل أودع فيها الجمال والحسن. قال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: 64]. وقد خص الله الإنسان بأحسن تقويم، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].

فالمصوِّر هو «الَّذِي صَوَّرَ جميعَ المَوُجُوداتِ ورتَّبها، فأعْطَى كلَّ شَيْءٍ مِنْهَا صُورَة خاصَّةً، وهيْئةً مُنْفَرِدةً يتَميَّزُ بِهَا عَلَى اختلافِها وكْثرتِها»[11]، ومن كمال تصويره سبحانه أنه جعل هذا الإنسان يمشي سويًّا على رجلين، ويأكل بيده، مزيَّنًا بالعقل والتمييز، بخلاف سائر الحيوانات المنكبة على وجوهها.

ثالثًا: أثر اسم (المصوِّر) في حياة المسلم

  1. تعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين: إن الإيمان باسم الله «المصوِّر» يورث العبد تعظيمًا لربه، فيعلم أن كل صورة في الكون هي من أثر صنعه، وأنه سبحانه المنفرد بالخلق والتصوير، فلا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته. والمسلم يعتقد جازمًا أن الله هو الذي صور الأجنة في أرحام الأمهات، وشق سمعهم وأبصارهم، كما كان النبي ﷺ يقول في سجوده: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»[12].
  2. الابتعاد عن مضاهاة خلق الله (حرمة التصوير المحرم): من أعظم آثار الإيمان بهذا الاسم هو امتثال نهي النبي ﷺ عن تصوير ذوات الأرواح؛ لأن فيه مضاهاةً لخلق الله المصوِّر. وقد ورد الوعيد الشديد في ذلك. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ»[13]، وفي الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً»[14]. قال النووي في شرح هذا الحديث: «قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى»[15]؛ لذا، فالمسلم يتجنب نحت التماثيل ورسم ذوات الأرواح تعظيمًا لاسم ربه «المصوِّر»، واكتفاءً بما أباح الله من تصوير ما لا روح فيه كالشجر والجبال، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ» [16] (رواه البخاري).
  3. الرضا بصورة النفس وعدم السخط: من يؤمن بأن الله هو المصوِّر الذي قسَّم الصور واختار لكل عبد شكله وهيئته بحكمته البالغة، فإنه يرضى بما قسم الله له من جمال أو غيره، ولا يعترض على خلقة الله، ولا يسعى لتغيير خلق الله بعمليات التجميل المحرّمة التي ليس فيها إزالة ضرر بل مجرد زيادة في الحسن وتغيير لخلق الله، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»[17]، فالمؤمن يدرك أن صورته هي اختيار ربه له، فيرضى ويُسلِّم.
  4. شكر الله على نعمة الخلق الحسن: حين ينظر العبد في المرآة ويرى حسن صورته وكمال أعضائه، يتذكر اسم «المصوِّر» ويلهج لسانه بالحمد. وقد ورد أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي»[18]، فاستشعار جمال التصوير الإلهي يدفع العبد لشكر المنعم واستعمال هذه الجوارح المصوَّرة في طاعته سبحانه.

 

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم
  2. تفسير أسماء الله الحسنى، إبراهيم بن السَّرِي الزَّجَّاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، بيروت: دار الثقافة العربية، ط5، 1406هـ، 1986م
  3. تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
  4. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
  5. سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
  6. سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
  7. شأن الدعاء، أبو سليمان حمد بن محمد البُستي المعروف بالخطابي، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، بيروت: دار الثقافة العربية، ط3، 1412هـ، 1992م
  8. لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
  9. مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرينَ، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ، 2001م
  10. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
  11. المفردات في غريب القرآن، الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دمشق، بيروت: دار القلم، الدار الشامية، ط1، 1412ه
  12. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، يحيى بن شرف النووي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392هـ
  13. النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية، ط1، 1399هـ، 1979م
  14. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت

الحواشي

  1. اشتقاق أسماء الله للزجاجي 242
  2. المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني 497
  3. لسان العرب لابن منظور 4/ 473
  4. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 3/ 58
  5. تفسير أسماء الله للزجاج 37
  6. يُنظَر: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد الحمود النجدي 1/ 160
  7. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/ 80
  8. المصدر السابق نفسه 8/ 80
  9. يُنظَر شأن الدعاء للخطّابي 51-52
  10. صحيح البخاري 8/ 50، وصحيح مسلم 4/ 2183
  11. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 3/ 58
  12. صحيح مسلم 1/ 534
  13. صحيح البخاري 7/ 167، وصحيح مسلم 3/ 1670
  14. صحيح البخاري 9/ 161، وصحيح مسلم 3/ 1671
  15. المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي على مسلم، 14/ 81
  16. صحيح البخاري 3/ 82
  17. صحيح البخاري 7/ 166، وصحيح مسلم 3/ 1678
  18. مسند أحمد بن حنبل 40/ 457، وفي هامشه: «حديث صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين».

مقالات مختارة