العَلِيم
ذو العلم المحيط الذي لا يخفى عليه شيء
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم «العليم» من أسماء الله الحسنى الدالّة على كمال العلم وإحاطته بكل شيء. فهو سبحانه الذي يعلم السرّ وأخفى، لا يغيب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض، وهذا العِلم الكامل المطلق لا يشاركه فيه أحد من خلقه. من الناحية اللغوية، اسم العليم مشتق من مادة (ع ل م) التي تدل على العلم المناقض للجهل، قال ابن فارس: «وَالعِلْمُ: نَقِيضُ الْجَهْلِ»[1]. يقال «عَلِمَ الشيءَ» أي عرفه حق المعرفة. وقد جاء على وزن «فَعيل» بصيغة المبالغة للدلالة على وفور العلم وشموله. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32]: «والعليمُ: فعيل للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله تعالى»[2]. وهذا يعني أن علم الله واسع جدًّا لا حدّ له، بخلاف علم المخلوق المحدود. وقد نبّه فخر الدين الرازي إلى اختصاص هذا الوصف بالله عز وجل وحده، فقال: «العليم من صفات المبالغة التامّة في العلم، والمبالغة التامّة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى، فلا جَرَمَ ليس العليم على الإطلاق إلا هو، فلذلك قال: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[البقرة: 32] على سبيل الحصر»[3]، فلا يجوز إطلاق هذا الاسم على غير الله بمعناه المطلق. نعم، قد يوصف المخلوق بأنه عليم أو عالم في سياق مقيّد بما يعلم، لكن شتّان بين علم الخالق والمخلوق. يقول الإمام الخطّابي: «والآدميون –وإن كانوا يُوصفون بالعلم– فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوعٍ من المعلومات دون نوعٍ، وقد يُوجَد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفاتُ فيخلُفُ علمَهم الجهلُ، ويعقب ذِكرَهم النسيانُ… وعلم الله –سبحانه– علمُ حقيقةٍ وكمالٍ؛ ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾[الطلاق: 12]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾[الجنّ: 28]»[4]، فالله تعالى عِلْمُهُ كاملٌ تامٌّ لا يعتريه نقصٌ بجهلٍ أو نسيانٍ، وليس ذلك إلا له سبحانه وحده دون خلقه. وقد أجمع العلماء على إثبات هذا الاسم لله تعالى ومعناه على الوجه اللائق به، وأنه يتضمن إثبات صفة العلم الكامل لله عز وجل. واسم العليم ثابت لله بالإجماع، دالٌّ على كمال العلم وشموله وإحاطته بجميع المعلومات من غير استثناء.
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: سعة علم الله وإحاطته بكل شيء: علم الله تعالى واسع لا حدّ له، يشمل الكليات والجزئيات، الظواهر والخفايا، الماضي والحاضر والمستقبل. شهدت بذلك ملائكته الكرام فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ معلنين عجزهم أمام كمال علمه سبحانه: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32]. فالله جل جلاله قد أحاط بكل شيء علمًا: لا تغيب عنه غائبة مهما دقّت، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. قال السعدي في معنى هذا الاسم: «العليم: الذي أحاط علمًا بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر»، وقال أيضًا: «العَلِيمُ: الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم»، وقال أيضًا: «وهو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والأسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء»[5]، وقد أكّد تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، وقوله: ﴿وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ…﴾ الآية [يونس: 61]. ومن كمال علمه تعالى أنه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فكل ما يُضمره العباد في قلوبهم يعلمه سبحانه علمًا تامًّا، حتى ما سيهمّون به في المستقبل وهو لم يقع بعد يعلمه قبل وقوعه، فلا يسبق علمه شيء، ولا يخفى عليه أمرٌ دقيق ولا جليل.
الوقفة الثانية: انفراد الله تعالى بعلم الغيب المطلق: من معاني اسم العليم اختصاصُ الله تعالى بعلم الغيب الشامل. فهو وحده يعلم ما غاب عن خلقه من الأمور، ولا يُطْلِع على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول لحكمةٍ ومصلحة. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجنّ: 26]. وقال سبحانه مؤكدًا تفرده بعلم الغيب: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]. فمفاتح الغيب، أي خزائن علم الغيوب وكل ما خفي عن المخلوقات، هي عند الله وحده، لا يعلمها إلا هو. وقد اعترف أفضل الخلق محمد ﷺ بعجزه عن علم الغيب حين سُئل عن الساعة فقال في الحديث الصحيح المتفق عليه: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[6]. وكان ﷺ يقرّر هذا المعنى في دعائه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ…»[7]، ففيه إظهار افتقار العبد إلى علم الله، وتسليم الأمر له وحده. وقد جاء اسم العليم مقترنًا بعلم الغيب في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109]. وهذا يدل على أن علم الله شامل لما غاب وما حضر، بخلاف علم الخلق المحدود. ومن ادّعى علم الغيب فقد افترى على الله، لذا كان المؤمن يبرأ من الكهانة والتنجيم، ويوقن أن الغيب بيد الله وحده.
الوقفة الثالثة: دلالة اقتران اسم العليم بأسمائه الحسنى الأخرى: كثيرًا ما يقترن اسم العليم في القرآن الكريم بأسماء أخرى، ليكتمل المعنى ويظهر كمال الصفة. فمن أشهر ذلك اقترانه باسم الحكيم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا الاقتران يدل على أن علم الله ليس مجرد علم، بل علم مقرون بالحكمة البالغة، فلا يقدّر شيئًا إلا لحكمة، ولا يشرع حكمًا إلا لمصلحة. قال ابن القيم: «إنّ العلم والقدرة المجرّدَيْن عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح، وإنما يحصل ذلك بالحكمة معهما»[8]. كما يقترن اسم العليم باسم الخبير، للدلالة على علمه بدقائق الأمور وبواطنها، فيجمع بين شمول العلم وعمقه... وكل ذلك يرسّخ في قلب المؤمن كمال صفات الله وتنزّهه عن النقص.
ثالثًا: أثر اسم العليم في حياة المسلم
- امتلاء القلب بمراقبة الله وخشيته: الإيمان باسم العليم يثمر في قلب العبد مراقبةً دائمة لله في السر والعلن. فإذا علم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، استحيا أن يعصيه، وخاف أن يراه على ما يكره. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: 3]. وهذا الإيمان يدفع إلى الإخلاص في العمل؛ لأن الله عليم بالنيات والدوافع، لا تخفى عليه خافية. قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»[9]. وفي المقابل، يبعث هذا الإيمان الطمأنينة في قلب المظلوم، لأن الله يعلم حاله ولن يضيّعه.
- الرضا بقضاء الله وحُسن التوكّل عليه: إذا أيقن العبد أن الله هو العليم الحكيم، رضي بقضائه، وسلّم لأمره؛ لأن الله أعلم بمصلحته من نفسه. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. وقد بيّن النبي ﷺ سبق علم الله بالأقدار فقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»[10]،فهذا الإيمان يورث السكينة، ويمنع القلق والاعتراض، ويغرس الثقة بحسن تدبير الله.
- حبّ العلم والتواضع فيه وطلبه من العليم: من آثار الإيمان باسم العليم حبّ العلم النافع والسعي إليه، مع التواضع وعدم الاغترار. قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. فمهما بلغ علم العبد فهو محدود، وعلم الله فوقه. وقد مثّل الخضر لموسى عليهما السلام ذلك حين قال كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان: «مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ»[11]، ولذلك كان السلف يقولون: "الله أعلم" فيما لا يعلمون، ويتأدبون مع الله في العلم، ويسألونه الزيادة النافعة.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان البُستي، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1408هـ، 1988م
- الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار البشائر الإسلامية، ط3، 1409هـ، 1989م
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ، 1964م
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- شأن الدعاء، أبو سليمان حمد بن محمد البُستي المعروف بالخطابي، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، بيروت: دار الثقافة العربية، ط3، 1412هـ، 1992م
- طريق الهجرتين وباب السعادتين، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، القاهرة، دار السلفية، ط2، 1394هـ
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس القزويني، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، ط1، 1399هـ، 1979م
- مفاتيح الغيب= التفسير الكبير، محمد بن عمر الرازي، الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، 1420هـ
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- مقاييس اللغة لابن فارس 4/ 110
- الجامع لأحكام القرآن القرطبي 1/ 287
- مفاتيح الغيب للرازي 2/425
- شأن الدعاء للخطابي 57، ويُنظَر: النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 1/ 214-216
- تيسير الكريم الرحمن للسعدي 48، 405، 945
- صحيح البخاري 1/ 19، 6/ 115، وصحيح مسلم 1/ 36، 39، 40
- صحيح البخاري 2/ 57، 8/ 81، 9/ 118
- طريق الهجرتين لابن القيم 110
- صحيح مسلم 4/ 1987
- صحيح مسلم 4/ 2044
- صحيح البخاري 6/ 88، وصحيح مسلم 4/ 1847