القابض
سلطان القدرة ولطف التدبير [أو] قبضة القدرة وسعة الرحمة
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم "القابض" اسم فاعل من الفعل "قبض" ويعني الإمساك والتضييق. ويقابله في اللغة "الباسط" قال الفيومي: «قَبَضَ اللَّهُ الرِّزْقَ قَبْضًا، مِنْ بَابِ ضَرَبَ، خِلَافُ بَسَطَهُ وَوَسَّعَهُ، وَقَدْ طَابَقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: 245]»[1]. وقد ذكرت المعجمات وغيرها أن "القابض" من أسماء الله في العربية، ومعناه مَن يقبض الرزق بقدرته وحكمته ولا يدع غيره يبسطه، إذ جاء فيها: «القابِض: هُوَ الَّذِي يُمسك الرِّزْقَ وغيرَه مِنَ الْأَشْيَاءِ عَنِ الْعِبَادِ بلُطْفه وحِكْمَتَه، ويَقْبِض الأرْواح عِنْدَ المَمات»[2]. والقبض في اللغة يشمل فعل الإمساك التام، كما يقال "قبض الشيء؛ أي أمسكه بقبضة اليد.[3] وفي القرآن وصف الله نفسه بأنه يقبض الرزق أو يوسعه، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (البقرة: 245)، ففسر ابن كثير ذلك بقوله: «أي أنفقوا ولا تبالوا؛ فالله هو الرزّاق، يضيّق على من يشاء من عباده في الرزق، ويوسّعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك»[4]. ومن ثَمّ، فهذا الاسم يعبّر عن كمال قدرة الله وعلمه في تدبير شؤون الخلق، لا عن عجز أو نقص في ذاته، بل عن حكمة في تدبير الرزق. وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان قوله عليه الصلاة والسلام: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ»[5]؛ مُصوِّرًا بذلك شدّة قدرة الله في قبض كل شيء.
ومن الناحية الشرعية والعقدية، يُثبِت المسلم هذا الاسم لله تعالى باعتباره صفته وعلمه وقهره، من دون تكييف أو تشبيه. فقد ورد هذا الاسم صراحة في السنة النبوية الصحيح؛ فعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ الرَّازِقُ»[6]. وبهذا الحديث يتبيّن أن هذه الأسماء من أفعال الله الواردة في النصوص، وأن إطلاقها على الله جائز. فالاسم يعبّر عن فعل وقوة لله تعالى، وتفسيره عند أهل العلم أن الله يقبض ويوسّع بقدرته المطلقة وحكمته البالغة. بناءً عليه، فإن "القابض" صفة إلهية حقيقية تليق بجلاله وكماله، ويختص بها هو وحده دون سواه.
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: التكامل مع اسم "الباسط": يرى أهل العلم أن اسمَي "القابض" و"الباسط" مكملان لبعضهما، فالكمال المستفاد من القدرة يتطلب ذكرهما معًا. فإذا كان "الباسط" يوسّع الرزق والبركات ونحوهما، فإن "القابض" يضيّق وينظّم الرزق بما يراه الله من خير. قال ابن الأثير: «القابض: هُوَ الَّذِي يُمسك الرِّزْقَ وغيرَه مِنَ الْأَشْيَاءِ عَنِ الْعِبَادِ بلُطْفه وحِكْمَتَه»[7]، مبرزًا حكمة الله في قبض الرزق على من يشاء. قال عبد الرزاق البدر: «"الباسط"، أي الذي يبسط رزقه لمن شاء من عباده، و"القابض"؛ أي الذي يضيّق أو يَحْرِمُ مِن رزقه من يشاء، لما يرى سبحانه في ذلك من المصلحة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 27]»[8]، فالله تعالى يجمع بين هذين الوصفين بإحكام، فالكمال المطلق حاصل باجتماع الصفتين معًا؛ فهو القابض للأرزاق مصحوبًا برحمةٍ وسعةٍ مطلقتين.
الوقفة الثانية: سر التضييق والحكمة: من أسرار اسم "القابض" أن الضيق في الرزق أحيانًا يكون رحمةً وحكمة؛ فهو اختبار وصبر للعبد. فإذا صبر المؤمن ورضي بقضاء الله، يأتيه الفرج والبركة بعد ذلك. ومثال ذلك تأكيد القرآن عدم اليأس من رحمته: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فالشخص الذي ضاق به الأمر ليرفع الله عنه، يستحضر اسم "القابض" ويعلم أن هناك حكمة إلهية، فلولا نظام قبض الله للرِّزق ما تعلَّق بعض الناس بالشكر وأقاموا العدل. والقبض والتضييق سبب للتراحم بين العباد، فالتراحم مع المخلوقين باب لرحمة "الرحمن" الذي هو القابض حقًّا، وقد ورد في الحديث الحسن الصحيح: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»[9]، وهذا يثبت مبدأ الإحسان عند التضييق. ولذلك كان عقل السلف يربط بين قبض الله ورحمته، فيزداد المؤمن تواضعًا وشكرًا مهما ضاقت سُبُلُ رزقه.
الوقفة الثالثة: "القابض" الاسم الخاصّ لا شريك له: إذا دل الاسم على قدرة عامة محضة لله فلا يُستعمَل لغيره. فالله من جهة كونه بيده وحده قبض الأرزاق والأرواح، فلا يجوز أن يُطلَق بهذا المعنى على مخلوق بغير إضافة. وذهب بعض العلماء إلى أنّ ذكر القابض وحده دون الباسط كذكر منعٍ دون سعة، لذا يلزم الجمع بينهما. والحق أن الجمع بينهما تامٌّ لخلوصيتهما معًا؛ فالله لا يذكرهما مرّة دون الأخرى إلا لخدمة المقصد. ومن الحكمة أيضًا قوله تعالى عن قبض الأرواح: ﴿وَالْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 67]؛ فهذه إشارة إلى قبض الله لكل شيء بالآخرة. فجلالة الاسم وجمال دلالته يقتضي تقديسه عند الداعي إليه وحفظه عن المدّعين.
ثالثًا: أثر اسم (القابض) في حياة المسلم
- بثّ الصبر والتوكل في نفس المؤمن: تذكّر المسلم أن المال والرزق بيد الله القابض يطرد القلق ويثبّت اليقين. فعندما يكابد ضيقًا في الرزق أو محنةً في حياته، فليثق أن صاحب الوِسع والضيق واحد فهو القابض الباسط، فنفهم أن الله القابض مطلعٌ خبير بصير بأحوالنا تمامًا. فالله يُضَيِّقُ الرزق على من يشاء وَيُوَسِّعُ على من يشاء، فتذكّر القابض الباسط يُمكّن القلب من الصبر والرجاء جميعًا.
- العدل والإحسان في التعامل مع الخلق: بما أن الله القابض أوّلًا، وجب على العبد ألا يقبض بنفسه على خلقه. فالذي يُعطي الناس قليلًا ويمنعهم مغترًّا بأنه في يده الرزق، هو في الحقيقة يخالف سنة الله. يجب على المؤمن أن يكافئ المظلوم ويساعد الفقير، برحمةٍ كرحمة الله به. فقد ورد في الحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»[10]، وهذا يوافق إيماننا باسم الرحمن والرحيم أيضًا. فإذا علم العبد أن الله بيده قبضُنا وبسطُنا، زاد تقديره للناس وحسن تعامله معهم، فكان رحيمًا وعطوفًا ينشر الخير.
- التوسّل به في الدعاء والشدائد: اسم "القابض" من أسماء الله الحسنى التي يجوز للمسلم أن يدعو بها خاصة في الشدائد والحاجة إلى الرزق أو الخلاص من بلاء. وقد حضّ القرآن على الدعاء بصدق وإخلاص، وإن دلَّ على شيء فإن فيه دعاءً بأي اسم تشاء: ﴿ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14]. فمثلًا إذا ضاقت بك سُبُل الرزق، فادع الله القابض الباسط قائلًا: «اللهم يا قابض الأرزاق وباسطها، أسألك بسطًا في رزقي برحمتك» بتوكّل عليه. وقد كان الصحابة يلجؤون إلى الله بأسمائه كلها.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان البُستي، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1408هـ، 1988م
- تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد الزَّبيدي، تحقيق عبد الستار أحمد فرّاج وآخرينَ، الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، 1385ه، 1965 وما بعدها
- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- فقه الأسماء الحسنى، عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، 295الرياض: دار التوحيد للنشر، ط1، 1429هـ، 2008م
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرينَ، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ، 2001م
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد الفيومي، بيروت: المكتبة العلمية، د. ت
- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط4، 1425هـ، 2004م
- النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية، ط1، 1399هـ، 1979م
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- المصباح المنير للفيومي 487
- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 4/ 6، ولسان العرب لابن منظور 7/ 213، وتاج العروس للزَّبيديّ 19/ 10
- يُنظَر: المصباح المنير للفيومي 487، والمعجم الوسيط 2/ 711
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 664، ويُنظَر: النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 3/ 121-127
- صحيح البخاري 9/ 117، وصحيح مسلم 4: 2148
- مسند أحمد بن حنبل 20/ 46، وفي هامشه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح»، وصحيح ابن حِبَّان 11/ 307، وفي هامشه: «إسناده صحيح على شرط مسلم».
- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 4/ 6
- فقه الأسماء الحسنى لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر 295
- سنن الترمذي 4/ 323، وقال: "حسن صحيح".
- سنن الترمذي 4/ 323، وقال: "حسن صحيح".