الله - الاسمُ الأعظم والملاذُ الأكرم


مقالة منبر الأسماء الحسنى الله 1 د آخر تحديث: 2026-03-07
تم نسخ الرابط
الله - الاسمُ الأعظم والملاذُ الأكرم

عنوان الخطبة: الله: الاسمُ الأعظم والملاذُ الأكرم

 

الحمد لله.. الحمد لله الذي تفرّد بالاسم الأعظم، وتنزّه عن الشبيه والنظير في القِدم، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، استوى على العرش فبانَ عن خلقه، واحتجب بالنور عن أبصار بريّته. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادةً تملأ الميزان، وتُرضي الرحمن، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبده ورسوله، الذي عرف ربه حق المعرفة، وعبده حق العبادة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي الزاد ليوم المعاد، وهي النجاة يوم ينادي المناد، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.

أيها المؤمنون: حديثنا اليوم ليس كأي حديث، وكلامنا لا يدانيه كلام، فنحن في رحاب اسمٍ ليسَ كباقي الأسماء، إنه اسمٌ تهتزُّ لهُ المنابر، وتخشعُ لذكرِهِ السرائر، اسم تَهيمُ فيه القلوب، وتتحيّر في عظمته العقول، وتخشع لذكره الأفئدة. كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «لَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَفْهَامُ، وَلَا يُشْبِهُهُ الْأَنَامُ». حديثنا اليوم عن الاسم الجامع لمعاني الألوهية والربوبية، حديثنا عن اسم "الله".

هذا الاسم العَلَم الدّال على الذات العليّة المقدّسة، الجامعة لصفات الكمال. هو الاسم الذي لم يَتَسمَّ به أحدٌ سواه، ولا تجرّأ على انتحاله كاذبٌ ولا طاغية، فحتى الجبابرة الذين طغوا في الأرض، تحاشَوا هذا الاسم هيبةً، فادّعوا الربوبية، ولكن بقيت هيبة اسم "الله" محفوظة بحفظه سبحانه مصداقًا لقولهِ جلَّ في عُلاه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، أي: هل تعلمُ أحدًا تسمَّى باسمِ "الله" غيرَه؟!. وأهل التفسير يقولون: هو اسمٌ لم يُسمَّ به غيرُه تبارك وتعالى، ولذلك لم يُثَنَّ ولم يُجمَع.

إنَّ اسمَ "الله" هو الاسمُ الجامعُ لكلِّ الكمالات، فأنت إذا ناديتَ: "يا الله"، فكأنما ناديتَ: يا رحمن، يا رحيم، يا رزّاق، يا قويّ، يا عزيز، وإذا دعوتَ بالرزاقِ طلبتَ الرزقَ، وإذا دعوتَ بالتّوابِ طلبتَ المغفرةَ، إذن إذا قُلتَ: "يا الله"، فقد استدعيتَ كلَّ الأسماءِ، وطلبتَ خيراتِ الدنيا والآخرة؛ لذا ذهبَ جمعٌ من المحققينَ إلى أنَّ اسمَ اللهِ الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به أجابَ، وإذا سُئِلَ به أعطى، هو اسمُ "الله"؛ لأنَّهُ الجامعُ لمعاني الأسماءِ كُلِّها. وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي في سننه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، قَالَ: فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى»، قال الإمام الشوكاني: «وقد اختُلِف في تعيين الاسم الأعظم على نحوِ أربعين قولًا... قال ابن حجر: وأرجحُها من حيث السّنَد: الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحد».

أيّها المسلمون: إن هذا الاسم هو أصل الأسماء الحسنى كلِّها، وإليه تُضاف سائر الأسماء، ولا يُضاف إليها، فنقول: "الرحمن" من أسماء الله، ولا نقول: "الله" من أسماء الرحمن. هو الاسم الذي افتتح الله به آيات كتابه: "بسم الله"، وجعله شعارًا للأذان والصلاة، وهو أكثر الأسماء ورودًا في القرآن، إذ تردد صداه في كتاب الله أكثر من ألفين وست مئة مرة، وهو أكثر الأسماء ورودًا في السُّنّة النبوية كذلك.

فيا عباد الله: إنَّ العيشَ مع اسمِ "الله" ليسَ مجرّدَ معلوماتٍ تُحفَظ، بل هو حياةٌ تُعاش، وسلوكٌ يَظهرُ في الجوارحِ والأركان.

ولقد وقفَ العلماءُ والعارفون أمامَ جلالِ هذا اللفظِ وقَفاتِ حَيْرةٍ وإجلال، فمنهم من رأى فيهِ "الوَلَه"؛ لأنَّ القلوبَ "تَأْلَهُ" إليهِ، أي: تَحِنُّ وتشتاق، ولا تجدُ قرارَها ولا طُمأنينتَها إلا بالوصولِ إليه. ومنهم من رأى فيهِ "الحَيْرَة"؛ لأنَّ العقولَ "تَأْلَهُ" في ذاتِه، أي: تُصيبُها الدّهشةُ والحَيرةُ أمامَ عظمتِه وجلالِه، فلا تُدرِكُ كُنهَه، ولا تُحيطُ به علمًا. وكيفَ لا تحتارُ العقولُ، وهو الذي قالَ الطحاويُّ في وصفِه: «لا تَبْلُغُه الأَوهام، ولا تُدرِكُه الأَفهام، ولا يُشبِهُه الأَنام». إنها ليست حَيرةَ شكٍّ وشُبهة، بل حيرةُ تعظيمٍ وإجلالٍ، تَخرُّ لها الجباهُ سُجَّدًا.

عباد الله: تأملوا معي الوقَفَاتِ الثلاثَ الآتيةَ لِمَا يمكن أن يوقف عنده من اسم الله:

أولًا: استشعروا الحبَّ والسكينةَ في هذا الاسم، فلقد جُبِلتِ القلوبُ وفُطِرتْ على حبِّ هذا الإلهِ والنزوعِ إليه. فلا تظنّوا أنَّ العلاقةَ مع "الله" هي علاقةُ خوفٍ وقهرٍ فحسب، بل هي في جوهرِها علاقةُ حُبٍّ ووداد. إنَّ المؤمنَ حينَ ينطقُ بلفظِ الجلالةِ "الله" يشعرُ بدفءِ الاحتواءِ، وسكينةِ القُرب. فاللهُ هو "المألوه" أي: المحبوبُ الذي تُصرَفُ إليه العبادةُ بالحبِّ والتعظيم. وكما قال الإمام ابنُ القيِّم رحمه الله: "في القلبِ شَعَثٌ لا يَلُمُّه إلّا الإقبالُ على الله، وفيه وَحشةٌ لا يُزيلهُا إلا الأُنسُ به"، فمن أعظم الجناية أن نُصوّر هذا الاسم مرادفًا للخوف والعقاب فقط، ونَحجب عنه معاني الجمال والحب والاحتواء.

ثانيًا: استلهموا الحريةَ والعزّة من اسم "الله"، فمَن عرفَ "الله" حقَّ المعرفةِ، تحرَّرَ من رقِّ العبوديةِ لغيرِه. وإن النفسُ إن لم تعبدِ "الله"، بحثتْ لها عن آلهةٍ مُزيّفة؛ من مالٍ، أو جاهٍ، أو هوى. إنّ اسمَ "الله" يُغنيكَ عن الانحناءِ للمخلوقين، ويمنحُكَ العِزّةَ والكرامة. فمَن كانَ "الله" معَه، كفاهُ كلَّ هَمّ، وأغناهُ عن كلِّ أحَد.

ثالثًا: استشعروا المراقبةَ واستقامةَ الضمير من اسم "الله"، فإنَّ الإيمانَ باسمِ "الله" يربّي فيكَ الوازعَ الداخليّ، فحينَما تعلمُ أنَّ "الله" مطلعٌ على سرائِرِكَ وعلانيتِك، تستقيمُ في خَلوتِكَ كما تستقيمُ بينَ الناس. وهذا هو مقامُ الإحسانِ الذي أخبرَ عنه النبيُّ ﷺ بقوله: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".

عباد الله: إذا نُودِيَ الربّ عز وجلّ بـهذا الاسم العظيم: "يا الله" بإخلاص ويقين كُشِفت الكروب، وإذا لُهِج به بإلحاح اطمأنت القلوب، فهو الاسم الجامع الذي إذا دُعي به أجاب بإذنه، وإذا سُئِل به أعطى بمشيئته.: فاجعلوا اسم (الله) -أيها المحبّون- محور حياتكم، وحب قلوبكم، ولا تلتفتوا إلى سواه.

فيا عبدَ الله، وَحِّدْ وِجهتَكَ، واجعلْ "الله" غايتَكَ. فإن رأيتَ أهواءُ الناسِ في الدُّنيا مشتتة، فلتجعل أنت لنفسك وجهةً واحدةً هي: "الله". تَحرَّكْ، واعمَلْ، واجتهد، ورَبِّ أولادَك، وعينُكَ على غايةٍ واحدة هي: "رضا الله".

ويا أيها الإنسان الذي تكالبتْ عليهِ الهموم، وضاقتْ بهِ الدنيا.. فِرَّ إلى "الله". يا مَن يبحثُ عن الأُنسِ في زمنِ الوحشة.. عُذْ بكنفِ "الله". اجعلوا هذا الاسمَ ربيعَ قلوبِكم، ونورَ صدورِكم، وجلاءَ أحزانِكم. واستشعروا عظمة مَن تنادون، وهيبة مَن تعبدون، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعلنا من الموحّدين، وشرّفنا بعبادته وحده دون العالمين. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن معرفة اسم "الله" حقيقةً لا تتحقّق بالمعرفة النظرية فقط، بل يلزم أن تتجاوزَ المعرفةُ ذلك، لتُصبِحَ حياةً تسري في عروق المؤمن. وإن نداء "يا الله" هو إعلانٌ للحرية؛ فمن عرف الله تحرّر من رقّ العبودية لغيره. والنفسُ إن لم تعبد "الله"، عبدت غيره، ولا بُدّ؛ إذ قد تعبد مالًا، أو جاهًا، أو هوى... واسم "الله" يغنيك عن الانحناء للمخلوقين، ويمنحك العزة والكرامة.

وإذا استقر هذا الاسم في القلب، ورسخت عظمتُه في الوجدان، أثمر ذلك السكينة والأمن؛ فمن كان ربُّه "الله" الذي بيده الملكوت، كيف يقلق من رزقٍ، أو يخاف من مستقبل؟! {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟! كما أنّ هذا الأمرَ يُثمِر المراقبةَ والإحسانَ؛ فيَعْلَمُ المرء بذلك أن الله مطلعٌ على سرائره، فيستقيم في خلوته كما يستقيم في جَلوته، حياءً منه وإجلالًا لنظره، لا خوفًا من خَلْقٍ أو قانون.

أيها الأحبة: اجعلوا "الله" محور حياتكم، وحُبّ قلوبكم، وحرّروا بواطنكم من التعلّق بالأسباب، واجعلوا شعاركم: "الله غايتي". وتلذّذوا بمناجاته في جوف الليل، وبثّوا إليه الشكوى، موقنين أنه يسمع ويرى.

هذا وصلّوا وسلّموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقيَّة الصحابة، وعن التابعين، وتابعي التابعين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. اللهم املأ قلوبنا حبًّا لك، وتعظيمًا لاسمك، وشوقًا إلى لقائك. اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم أن تجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، إليك أوّاهين منيبين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم وارزقنا مقامَ الإحسان، حتى نعبدَك كأننا نراك. اللهم فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين. ﴿... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

عباد الله: اتقوا الله:

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكُروا الله العظيم الجليل يذكُركم، واشكُروه على نِعَمِه يزدْكم، ولَذِكرُ الله أكبر، والله يعلَمُ ما تصنَعون.

أقم الصلاة.


مقالات مختارة