عنوان الخطبة: الملاذُ الآمن... في رحاب اسم الله "المؤمن"
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الأمنَ نعمةً لا تُضاهى، والسكينةَ منحةً لا تُباهى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ، الذي شهِدت لوحدانيته الكائنات، وسبَّحت بحمده الأرضُ والسماوات. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي ملأ اللهُ به القلوبَ يقينًا وإيمانًا، وبدَّل به خوفَ المؤمنين أمنًا وأمانًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار، والتابعين لهم بإحسانٍ ما تعاقب الليل والنهار، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ، فيا عباد الله:
اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، واعلموا أنَّ الأجسادَ لا تقوى على نارٍ تتلظى، وأنَّ النفوسَ لا تسعدُ إلا بذكرِ من في السماء، والتعلقِ بأسمائِه الحسنى وصفاته العُلا.
أيها المسلمون، يا من تبحثون عن الطمأنينة في زمن القلق، وعن السكونِ في دنيا الأرق: يقول بعض العارفين ممن امتدت بهم الحياة: لقد عِشتُ أزمنةً مديدة، ورأيتُ دولًا تشيبُ وهي وليدة، وخبرتُ تقلّبَ الأحوال، وتغيّرَ المآل، فلم أجد للقلبِ ملجأً، ولا للروحِ منجى، إلا في رحابِ معرفةِ الله جلَّ وعلا، من خلال الكتاب والسنة، والأسماء الحسنى. فتعالَوا لنستظلَّ اليوم بظلّ اسمٍ من أسمائهِ الحسنى الجليلة في هذه الخطبة، اسمٍ يبعثُ في النفسِ الطُّمأنينةَ والسكينة، ويطردُ عنها الخوفَ والضغينة، إنه اسمُ الله (المُؤْمِن).
هذا الاسمُ العظيمُ الذي وردَ في كتابِ ربنا مرةً واحدة، في سياقِ المهابةِ والجلال، في خواتيمِ سورة الحشر، حيثُ قال الكبيرُ المتعال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: 23]. فما أعظمه من اسمٍ، وما أجلّه من وصفٍ، يحملُ بين طياته معاني التصديقِ واليقين، والأمنِ المتين!
عباد الله: إن اسمَ "المُؤْمِن" في لغةِ العرب، وفي ميزانِ الشرعِ، يدورُ حول معنيينِ عظيمينِ، وجناحينِ كبيرين، يطيرُ بهما القلبُ إلى فضاءاتِ الأنسِ بالله:
المعنى الأول: هو التصديق. فاللهُ سبحانه هو "المُؤْمِن"؛ أي: المُصدِّق. يقولُ أهلُ العلمِ من المفسرين وغيرهم: هو الذي صدَّق نفسَه بتوحيدِه، وشهِدَ لذاته قبل أن يشهدَ له خلقُه، كما قال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]. وهو الذي صدَّق رُسلَه وأنبياءَه، فبعثهم بالحق، وأيّدهم بالخلق، وأظهرَ على أيديهم المعجزاتِ الباهرات، والآياتِ البينات، التي تنزلُ منزلةَ قولِه: "صدق عبدي فيما يبلّغ عني". فكلّ معجزةٍ هي شهادةٌ من الله، وكلّ آيةٍ هي تصديقٌ من الإله. وهو سبحانه الذي صدَّقَ عبادَه المؤمنين، فما ظنَّ عبدٌ به خيرًا إلا وجده، وما أمَّل فيه أحدٌ فضلًا إلا أعطاه ورَفَدَه، مصداقًا للحديث القدسي الصحيح المتّفق عليه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي». فاللهُ يُصدِّقُ ظنونَ العابدين، ويُحقّقُ آمالَ الراجين، ولا يُخيبُ سعيَ الساعين.
والمعنى الثاني لاسمِه (المُؤْمِن): هو الأمان. فمنهُ سبحانه ينبُعُ الأمن، وإليه يعود. هو الذي وهبَ الأمانَ لخلقه، وأفاضَ السكينةَ في ملكه. يقول ابنُ عباسٍ وقتادةُ في تفسيرِ هذا الاسم: "أَمَّنَ خلقَه من أن يظلمَهم". فيا أيها الخائفُ من جَوْرِ الزمان، ويا أيها الوَجِلُ من ظلمِ السلطان، لُذْ بـ(المُؤْمِن)؛ فإنه أمَّن الخلقَ من أن يجورَ عليهم، وحرَّم الظلمَ على نفسه، وجعل العدلَ أساسَ حكمِه. هو الذي يؤمِّنُ أولياءه من عذابه، ويُنجيهم يومَ الفزعِ الأكبرِ برحمتِه، يومَ تزيغُ الأبصار، وتبلغُ القلوبُ الحناجر، فلا أمانَ إلا أمانُه، ولا ضمانَ إلا ضمانُه.
تأملوا -يا رعاكم الله- هذا التلازمَ البديع، والسرَّ الرفيع: بين "الإيمان" و"الأمن". فهما من جذرٍ واحد، ومن نبعٍ خالد. فاللهُ هو "المُؤْمِن" الذي وهبَ "الإيمان"، ومن حقّقَ الإيمانَ استحقَّ "الأمنَ" والأمان. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. فبقدرِ إيمانِك يكونُ أمانُك، وبقدرِ تصديقِك يكونُ استقرارُك.
أيها الأحبة في الله: إنَّ للعيشِ في ظلالِ هذا الاسمِ أسرارًا ودلالات، ووقَفَاتٍ عظيمات:
الوقفة الأولى: صدقُ الوعد. إنَّ ربنا "المُؤْمِن" هو الصادقُ في وعده، الذي لا يُخلِفُ الميعاد. فإذا وعدَ بالنصرِ نصر، وإذا وعدَ بالرزقِ قدَّر، وإذا وعدَ بالمغفرةِ غفر. وهذا يورثُ في قلبِ المسلمِ الثقةَ المطلقة، فلا يهتزُّ أمامَ عواصفِ البلاء، ولا ييأسُ عند تأخرِ العطاء؛ لأنه يعلمُ أنَّ وعدَ (المُؤْمِن) حق، وقولَه صدق.
الوقفة الثانية: مصدرُ الطمأنينة. لا أمانَ في هذا الكونِ المترامي إلا من الله. فالأسبابُ قد تتعطّل، والحصونُ قد تتخلخل، والجيوشُ قد تُهزَم، والأموالُ قد تُعدَم، ولكنَّ حمايةَ اللهِ هي الحِصنُ الحَصين، والدرعُ المتين. فإذا خفتَ على رزقِك فاذكر (المُؤْمِن)، وإذا خفتَ على عيالِك فاستودعهم (المُؤْمِن)، وإذا خفتَ من عدوٍ يتربصُ، أو مرضٍ يتلصصُ، فافزع إلى (المُؤْمِن) الذي قال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
لننظروا إلى نبيّنا ﷺ كيف كان يستمدُ الأمنَ من اسمِ ربه، فكان لا يدعُ دعواتٍ حين يصبحُ وحين يمسي، يسألُ فيها العافيةَ والأمن، فيقول: «اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي». نعم.. "آمن روعاتي".. طلبٌ مباشرٌ لمقتضى اسمِ اللهِ "المؤمن"، ليُبدِّلَ روعَ القلبِ سكونًا، وفزعَ النفسِ أمنًا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وأعزَّ جندَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، جعلَ الأمنَ قرينَ الإيمان، والخوفَ قرينَ الكفران، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، الصادقُ الأمين، الذي بعثه اللهُ رحمةً للعالمين، وحجةً على الخلقِ أجمعين، صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبِه والتابعين.
أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، واعلموا أنّ معرفةَ اللهِ باسمِه (المُؤْمِن) ليست مجردَ ثقافةٍ تُروى، ولا كلماتٍ تُتلى، بل هي منهجُ حياة، ومسلكُ نجاة، يظهرُ أثرُه في سلوكِ العبدِ وسمتِه، وفي سرِّه وجَهرتِه.
فأولُ واجباتِ هذا الاسم: أن تكونَ صادقًا في إيمانك. إنَّ حظَّ العبدِ من اسمِ (المُؤْمِن) أن يوافقَ باطنُه ظاهرَه، وسرُّه علانيتَه. فكما أنَّ اللهَ هو "المُؤْمِن" المصدِّق، فعلى العبدِ أن يكونَ مصدِّقًا بقلبه ولسانِه وجوارحِه، غيرَ مكذِّبٍ لآياتِ الله، ولا مرتابٍ في وعدِه. كن برهانًا صادقًا على إيمانك، صادقَ اللهجة، أمينَ النقل، بعيدًا عن الغدرِ والخيانةِ والكذب.
وثاني الواجبات: أن تُحقّقَ الأمنَ في مجتمعك. فالتعبدُ باسمِ الله (المُؤْمِن) يقتضي أن تكونَ مصدرًا للأمنِ والسلامِ لمن حولك، لا مصدرًا للخوفِ والأذى والإزعاج. فكما أنَّ اللهَ أمَّن خلقَه من ظلمه، وجبَ عليكَ أيها المؤمنُ أن تُؤمِّنَ الناسَ من شرِّك وظلمِك. ألم تسمعوا قولَ المصطفى ﷺ في الحديثِ الصحيح الذي رواه الترمذي: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ». يا لروعةِ البيان! "المؤمنُ من أمنَه الناس".. اشتقاقٌ بديع، يربطُ صفتَك بصفةِ ربك. فمن كان غدَّارًا، ختَّارًا، يُخيفُ الجار، ويؤذي المار، فما عرفَ من اسمِ (المُؤْمِن) إلا رسمَه، وما ذاقَ من معناه إلا اسمَه. إنَّ المؤمنَ الحقَّ هو الذي يأمنُه الناسُ على أسرارِهم، ويأمنونَه على أعراضِهم، ويأمنونَه على أموالِهم، يجدون في جوارِه السكينة، وفي صحبتِه الطمأنينة.
وثالثُ الآثار: الفرارُ إليه عند الفزع. إذا اشتدتِ الخطوب، وضاقتِ الدروب، وعصفتِ بالناسِ المخاوف، وتكالبتِ المصائب، فليس لها من دونِ اللهِ كاشفة. فيا من خافَ ظُلمَ ظالمٍ، أو بطشَ جبارٍ، أو قهرَ عدوٍ، الزمْ بابَ (المُؤْمِن)، ونادِه بقلبٍ موقن: "يا مُؤْمِنُ أمِّنِّي، يا مُؤْمِنُ كُن لي، يا مُؤْمِنُ اكفِني". إنه سبحانه الملاذُ إذا أُغلقتِ الأبواب، والملجأُ إذا انقطعتِ الأسباب.
ألا وصلّوا وسلموا على من أُمِرتم بالصلاة والسلام عليه، النبيِّ الأميِّ، المبعوثِ رحمةً للعالمين، والمبشرِ بالجنةِ للمؤمنين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمر أعداءَ الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلاد المسلمين. اللهم يا (مُؤْمِن)، يا ذا الجلالِ والإكرام، نسألُك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد، وقرةَ عينٍ لا تنقطع. اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا.
اللهم إنا نسألك باسمك (المُؤْمِن) أن تؤمِّن روعاتنا، وتستر عوراتنا، وتختم بالباقيات الصالحات أعمالنا. اللهم أمِّنَّا يومَ الفزعِ الأكبر، وثبت أقدامنا على الصراطِ يومَ تَزِلُّ الأقدام، وأظِلَّنا تحتَ ظلِ عرشِك يومَ لا ظلَ إلا ظلك. اللهم من أرادنا وأراد بلادنا وعقيدتنا وأمننا بسوءٍ فاشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا قوي يا عزيز. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
أقم الصلاة.