عنوان الخطبة: الخالِقُ جلَّ جلاله: عظمةُ التقديرِ وإعجازُ التصوير
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي تفرّدَ بالخَلْقِ والإيجاد، وتنزّهَ عن الشبيهِ والأنداد، وتقدّسَ عن الصاحبةِ والأولاد. أحمده سبحانه حمدًا يملأُ الأرضَ والسموات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجي قائلَها يومَ العَرَصات، وتُعْلِي درجاتِه في الجنات. وأشهد أن نبيّنا وسيّدنا محمدًا عبده ورسوله، خيرُ البريات، وأزكى من تعبّد لرب الأرض والسموات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضائلِ والمَكْرُمات، وسلم تسليمًا كثيرًا ما دامت الأرضُ والسموات.
أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، فهي العُدّةُ في الشدائد، والذخيرةُ ليومِ المَعَاد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أيها المسلمون: نقف اليومَ في محرابِ اسمٍ عظيم، وصفةٍ جليلة، بها عُرِفَ الربُّ فَعُبِد، وبها تبيّنَ العجزُ في الخَلْقِ فَسَجَد. إنه اسمُ الله (الخَالِق) جلَّ جلاله، وتقدّست أسماؤه. الخالقُ الذي أوجدَ الأشياءَ من العدم، وأبرزها إلى الوجودِ بعد أن لم تكن شيئًا، قدّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يبرأها، وصوّرَ هيئاتِها قبل أن ينشئها، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
اعلموا -رحمكم الله- أن اسمَ "الخالق" في لسان العربِ وميزانِ الشرعِ يدورُ على معنيينِ عظيمين، لا ينفكّ أحدهما عن الآخر: التقديرُ والإيجاد. فالخلقُ ليس مجردَ الصنع، بل هو التقديرُ المحكمُ قبلَ الفعل، والإيجادُ المتقنُ بعدَ العزم. فالله سبحانه هو الذي قدّرَ الأشياءَ في الأزلِ بعلمِه، ثم أوجدها بمشيئتِه وقدرتِه، فجاءت كما أراد، وظهرت كما شاء، لا مبدّلَ لخلقه، ولا رادَّ لأمره. قال أهلُ العلم: "الخالقُ هو الذي أوجدَ الأشياءَ جميعَها بعد أن لم تكن موجودة، وأصلُ الخلقِ التقدير، فهو باعتبارِ تقديرِ ما منه وجودُها مُقَدِّر، وباعتبارِ الإيجادِ على وفقِ التقديرِ خالق".
عباد الله: إن تأملتم في كتابِ ربكم، وجدتم هذا الاسمَ الكريمَ قد اقترنَ باسمينِ عظيمينِ في خواتيمِ سورةِ الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾. وفي هذا الترتيبِ سرٌّ بديع، ونظمٌ رفيع؛ فالخالقُ هو المُقَدِّر، والبارئُ هو المُخرِجُ من العدمِ إلى الوجود، والمصوِّرُ هو الذي أعطى كلَّ مخلوقٍ هيئتَه التي تميزه عن غيره. فسبحانَ من قدّرَ فخلق، وبرأَ ففتق، وصوّرَ فأنطق! قدّرَ البناءَ قبلَ رفعِه، وأنشأه بعدَ تقديرِه، وزيّنه بصورتِه وتشكيلِه، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.
أيها المؤمنون: إنَّ مِن أجلِّ ما يورثُه الإيمانُ باسمِ الله (الخالق) هو اليقينُ بتفرّدِه سبحانه بالألوهية. فالعقلُ الصريح، والفطرةُ السليمة، تنادي بأعلى صوت: كيف يُعبَدُ من لا يَخلُق؟ وكيف يُسوَّى المخلوقُ العاجزُ بالخالقِ القادر؟ لقد حاجَّ اللهُ المشركينَ بهذا البرهانِ الساطع، والحجةِ الدامغة، فقال عزّ من قائل: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. إن الذي يستحقُّ الركوعَ والسجود، والذلَ والخضوع، هو الذي أوجدكَ من العدم، وشقَّ سمعَك والبصر، وأجرى في عروقِك الدم. أما تلكَ الآلهةُ المزعومة، والأندادُ الموهومة، فهي مخلوقةٌ لا تملكُ لنفسِها نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. فاللهُ تعالى موصوفٌ بأنه "الخالق" قبل أن يوجَدَ مخلوق، وموصوفٌ بأنه "الرب" قبل أن يوجَد مربوب. وإذا أقررتَ -أيها العبد- بأن اللهَ هو الخالقُ لكلِّ شيء، لزمكَ أن تقرَّ بأنه المالكُ والمدبّر، وهذا يستلزمُ إفرادَه بالعبادةِ وحده دون سواه. فلا خالقَ غيرُه، ولا ربَّ سواهُ، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
معاشر المسلمين: ومِن كمالِ عظمةِ الخالقِ سبحانه، أنه تحدّى كلَّ ما سواه، تحديًا يُعجِزُ البلغاء، ويُخرِسُ الأعداء، تحداهم أن يخلقوا شيئًا حقيرًا في نظرِهم، صغيرًا في حجمِه، ولكنه عظيمٌ في صنعِه، تحداهم أن يخلقوا ذبابًا! اسمعوا لقولِ الحقِّ جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾. يا لَعظمةِ الله! اجتمعوا، وتظاهروا، وتعاونوا، فلم يقدروا على خلقِ ذباب، بل زادهم اللهُ تبكيتًا ببيانِ ضعفِهم، فقال: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. وفي الحديثِ القدسيِّ الصحيح المتفق عليه الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه، يقول الله عز وجل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً». فسبحان من تفرّدَ بالكبرياء، واختصَّ بالإيجادِ والإنشاء، وأذلَّ جبابرةَ الأرضِ بأصغرِ الأشياء.
عباد الله: إنَّ خلقَ اللهِ ليس عبثًا ولا ارتجالًا، بل هو نظامٌ دقيق، وترتيبٌ وثيق. وقد بيّنَ أهلُ العلمِ أن الخلقَ يجري على مراتبَ أربع، من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاءِ والقدر: أولها العلم: فعلمُ اللهِ سابقٌ لكلِّ موجود. وثانيها الكتابة: فكتبَ مقاديرَ الخلائقِ في اللوحِ المحفوظِ قبل أن يبرأها. وثالثها المشيئة: فما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكن. ورابعها الخلق: وهو الإيجادُ والتنفيذ. فاسمُ "الخالق" يدلُّ على أن اللهَ عليمٌ بما سيخلق، قدَّره في الأزل، ثم شاءَ وجودَه، ثم أوجده بقدرتِه، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي يُبدئُ الخلقَ ثم يعيدُه، وهو أهونُ عليه، وله المثلُ الأعلى في السمواتِ والأرضِ وهو العزيزُ الحكيم. أحمده سبحانه على نعمهِ التي لا تُحصى، وآلائه التي لا تُستقصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن معرفةَ اللهِ باسمه "الخالق" ليست معرفةً نظريةً فحسب، بل هي حياةٌ للقلوب، وتهذيبٌ للنفوس، ولها آثارٌ إيمانيةٌ عظيمةٌ في حياةِ المسلم:
أولُ هذه الآثار: تعظيمُ اللهِ وإفرادُه بالعبادة: فمن أيقنَ أن اللهَ خالقُ كلِّ شيء، لم يلتفت قلبُه إلى غيرِه، ولم يرجُ نفعًا ولا ضرًّا إلا منه. كيف يتعلّقُ القلبُ بمخلوقٍ ضعيف، ويتركُ الخالقَ اللطيف؟ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾. فالتوحيدُ شجرة، وساقُها الإقرارُ بالخلق، وثمرتُها إفرادُ العبادة.
وثانيها: التفكّرُ في بديعِ صنعِ الله: انظروا -يا رعاكم الله- في ملكوتِ السمواتِ والأرض، وفي أنفسِكم، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. تأملوا كيف يُخرجُ اللهُ الحيَّ من الميت، ويخرجُ الميتَ من الحي. هو "فالقُ الحبِّ والنوى"، يصونُ الحبةَ في ظلماتِ الأرض، يحفظُها من العفن، ثم يشقُّها فيخرجُ منها الزرعَ الأخضر، ومن النوى الشجرَ الباسق. تأملوا في أطوارِ خلقِ الإنسان، كيف سُلَّت النطفةُ من الصُّلب، ثم صارت علقة، فمضغة، فعظامًا كُسيت لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخر. هذا التفكرُ يملأُ القلبَ إجلالًا، ويدفعُ اللسانَ تسبيحًا، فسبحان الخلاق العليم.
وثالثها: التواضعُ ونبذُ الكِبر: كيف يتكبرُ إنسانٌ وقد خرجَ من مخرجِ البولِ مرتين؟ أولُه نطفةٌ مَذِرة، وآخرُه جيفةٌ قذرة، وهو بين ذلك يحملُ العَذِرة! معرفةُ "الخالق" تضعُ العبدَ في موضعِه؛ عبدًا فقيرًا ذليلًا، وتضعُ الربَّ جل جلاله في موضعِه؛ إلهًا غنيًا عزيزًا. كان نبيكم ﷺ يقول في دعائه: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا...» إلى أن يقول: «اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ».
ورابعها: اليقينُ بالبعثِ والنشور: فإن الذي خلقَ الخلقَ أولَ مرةٍ قادرٌ على إعادتِهم، بل الإعادةُ أهونُ في قياسِ العقول، وإن كان الكلُّ عليه هيِّن. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فمن آمنَ بالخالق، استعدَّ لليومِ الآخر، وعملَ ليومِ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
وخامسها: الحذرُ من مضاهاةِ خلقِ الله: فقد جاء الوعيدُ الشديدُ فيمن يصوّرُ ذواتِ الأرواحِ تشبهًا بالخالق. قال ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». فتأدبوا مع الله، وقفوا عند حدودِه، ولا تتعدوا طوركم البشري.
عباد الله: هذا ربُّكم، هذا خالقُكم، فاعرفوه، ووحدوه، واعبدوه، واشكروا نعمةَ الإيجاد، ونعمةَ الإمداد، ونعمةَ الهدايةِ والرشاد.
هذا؛ وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحبِ الوجهِ الأنور، والجبينِ الأزهر، وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وباسمك الخالق البارئ المصور، أن تغفر ذنوبنا، وتستر عيوبنا، وتشفي مرضانا، وترحم موتانا. اللهم يا خالقنا ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا. اللهم يا من خلقتنا من عدم، لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأصلح لنا شأننا كله، لا إله إلا أنت. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
أقم الصلاة.