عنوان الخطبة: تجليات الجمال والجلال في اسم الله "المُصَوِّر"
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي انفردَ بالخلقِ والإيجاد، وتميَّز بالعظمةِ في الأزلِ والآباد، صوَّر الخلائقَ فأحكمَ التصوير، وقَدَّر الأقواتَ والآجالَ بحكمةٍ وتدبير. أحمدهُ سبحانه وهو "المُصَوِّر" الذي أبدعَ صُورَ البريات، ومَيَّزَ بين المخلوقاتِ في الهيئاتِ والسمات. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، شهادةَ عبدٍ مُقرٍّ بالتوحيد، مُنَزِّهٍ لربهِ عن الشبيهِ والنديد. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ، وخيرتُه من خلقهِ، أزكى العالمينَ خُلقًا، وأبهاهم صورةً وخَلقًا، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آلهِ وصحبهِ الأطهار، والتابعين لهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الليلُ والنهار.
أما بعد، فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، فهي الزادُ ليومِ المَعَاد، والنجاةُ يومَ يقومُ الأشهاد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أيها المسلمون، يا أربابَ العقولِ والألباب: نقف بكم اليومَ في رياضِ الأسماءِ الحُسنى، لنقطفَ زهرةً فواحةً من بستانِ المعرفة، ونقفَ أمام اسمٍ عظيمٍ من أسماءِ ربنا جلَّ في علاه، اسمٍ تجلَّت آثارُه في كلِّ ذرةٍ من ذراتِ الكون، وفي كلِّ لمحةٍ من لمحاتِ العيون. إنه اسمُ الله (المُصَوِّر).
"المُصَوِّر" في لغةِ العربِ هو الذي جَعَلَ للشيءِ شكلًا معلومًا، وهيئةً تميزهُ عن غيرهِ. فالصورةُ هي الشكلُ والهيئةُ، والمُصَوِّرُ هو فاعلُ ذلك ومُوجِدُه. يقولُ الزجاجيُّ رحمه الله: "المصوِّرُ اسمُ الفاعلِ مِن صَوَّرَ يُصَوِّرُ فَهو مُصَوِّرٌ، والله عزّ وجلّ مُصَوِّرُ الصُّورِ وخَالِقُهَا". فسبحانَ من صوَّر الأعيانَ ونقشَها، ومَيَّزها عن بعضِها وفصَّلها. صورةٌ محسوسةٌ تراها الأبصار، كصورةِ الإنسانِ والدوابِ والأشجار، وصورةٌ معقولةٌ تدركها البصائرُ والأفكار، كصورةِ العقلِ والمعاني التي اختصَّ بها بنو آدمَ الأخيار. وإلى هذين المعنيين أشارَ العزيزُ الغفارُ بقوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.
أيها المؤمنون الموحدون: إنَّ اسمَ "المصوِّر" يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ اللهَ تعالى هو الذي رتَّبَ الموجودات، وأعطى كلَّ شيءٍ منها صورةً خاصةً وهيئةً منفردةً، يتميزُ بها في الوجودِ والذات، بلا مثالٍ سابقٍ احتذاه، ولا رسمٍ قديمٍ حاكاه، بل هو إبداعٌ محضٌ من لدن حكيمٍ خبير.
ولقد جاءَ هذا الاسمُ الكريمُ في كتابِ الله مرةً واحدةً صريحة، في ختامِ سورةِ الحشر، مقترنًا باسمَي "الخالق" و"البارئ"، فقال عزَّ من قائل: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وفي هذا الترتيبِ القرآنيِّ سرٌّ بديع، ولمحٌ رفيع، يُمثِّلُ مراتبَ الإيجادِ والتصنيع. فالخالقُ -عبادَ الله- هو المقَدِّرُ للأشياءِ في علمهِ قبلَ كونِها، والبارئُ هو المُخرِجُ لها من العدمِ إلى الوجودِ وفَرْيُها، والمُصَوِّرُ هو الذي يُعطيها هيئتَها النهائيةَ ويُزيِّنُها. قال الحافظُ ابن كثيرٍ في بيانِ هذا التدرجِ الجليل: "الخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، أي: الّذي إِذا أرادَ شيئًا قَال له: كُنْ فَيكونُ على الصِّفةِ الّتي يُريدُ والصُّورةِ الّتي يَختار". فالمصوِّرُ هو المنفِّذُ لما أرادَ إيجادَه على الصفةِ التي أرادها، والمشِيئةِ التي اختارها.
تأملوا -رعاكم الله- في أنفسكم، وفي بدائعِ صنعِ ربكم: من أعظمِ دلالاتِ هذا الاسم، وآياتِ هذا الوصف، ما يجريهِ اللهُ في ظلماتِ الأرحام، من تشكيلِ الأجنةِ وتصويرِ العظام. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. في تلك الظلمةِ الحالكة، حيثُ لا يدٌ تمتد، ولا آلةٌ تُعَد، يُصوِّرُ اللهُ الإنسانَ، ويشُقُّ السمعَ والبصرَ واللسان. انظروا إلى هذا التنوعِ الهائلِ في صورِ البشر، ملياراتٌ من الناسِ يمشونَ على ظهرِ الأرض، لا يتطابقُ اثنانِ منهم تمامَ التطابق، حتى التوائمُ في البطون، تختلفُ في البصماتِ والعيون! ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. إنَّ اختلافَ الصورِ والأشكال، والألوانِ والأصواتِ والظلال، آيةٌ كبرى على وحدانيةِ "المُصَوِّر" وقدرته، وحكمتهِ في بريَّته، سبحانه لا يعجزهُ شيء، ولا يشغلهُ خلقٌ عن خلق.
أيها الأحبة في الله: ومن مسائلِ الاعتقادِ التي يجبُ التنبيهُ عليها في هذا المقام، ما وردَ في الصحيحينِ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ». وهذا الحديثُ -يا رعاكم الله- نتلقاهُ بالقبولِ والتسليم، على منهجِ أهلِ السنةِ والجماعةِ بلا تحريفٍ ولا تشبيهٍ سقيم. فنثبتُ اللفظَ كما جاء، ونُنَزِّه اللهَ عن مماثلةِ المخلوقينَ في الأرضِ والسماء، فليسَ كمثلهِ شيءٌ وهو السميعُ البصير. فمعنى الحديثِ أنَّ اللهَ صوَّرَ آدمَ، وجعلَ له سمعًا وبصرًا، وعلمًا وحكمًا، ومشيئةً وقدرًا، وهذه صفاتٌ تليقُ بالمخلوقِ الضعيف، وللهِ سبحانه صفاتُ الكمالِ والجلالِ التي تليقُ بذاتهِ المقدسة، فلا تماثلَ بينَ الخالقِ والمخلوقِ، ولا تشابهَ بينَ الربِّ والمربوب. وإضافةُ الصورةِ إلى اللهِ في الحديثِ هي إضافةُ تشريفٍ وتكريم، لبيانِ عنايةِ اللهِ بخلقِ أبِ البشر، كما يقالُ "بيتُ الله" و"ناقةُ الله".
عباد الله: إنَّ من كمالِ اسمِ "المُصَوِّر" أنَّه لم يخلقِ الخلقَ كُتلًا جامدة، بل أودعَ فيها الجمالَ والحُسنَ، وجعلَها ناضرة. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. وخصَّ الإنسانَ بأقومِ خِلقة، وأحسنِ هيئة، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. فجعلهُ يمشِي سويًّا على قدمين، وزينهُ بالعقلِ والنطق، بخلافِ سائرِ الحيوانِ فإنه منكبٌّ على وجههِ وأعجم، فسبحانَ من كرَّمَ بني آدمَ وحملهم في البرِّ والبحر.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي صوَّرَ فأبدع، وأعطى فمَنع، وخفضَ ورفع، أحمدهُ سبحانه على نعمهِ التي لا تُحصى، وآلائهِ التي لا تُستقصى. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ نبينا محمدًا عبدهُ ورسولهُ، صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن للإيمانِ باسمِ الله "المصوِّر" آثارًا في النفسِ والحياة، يجبُ أن يتمثلها المسلمُ في دنياه:
أولًا: تعظيمُ اللهِ وتنزيههُ: من عرفَ أنَّ اللهَ هو "المُصَوِّر" الحقيقي، عظَّمَ ربَّه، وعلمَ أنَّ كلَّ صورةٍ في الكونِ هي من أثرِ صنعهِ، فيتجنبُ تشبيهَ الخالقِ بالمخلوق، ويعتقدُ جازمًا بتفردِ اللهِ بالكمال. وكان نبيّنا ﷺ إذا سجدَ خشعَ وتذللَ، وقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ».
ثانيًا: الحذرُ من مضاهاةِ خلقِ الله: إنَّ من أعظمِ ما ينافي الأدبَ مع اسمِ "المُصَوِّر"، أن يحاولَ العبدُ مضاهاةَ خلقِ اللهِ وصنعتِه. وقد جاء الوعيدُ الشديدُ في ذلك، فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ». وفي الحديث القدسي المتفق عليه يقول الله جل وعلا: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً». فاحذروا -يا عباد الله- من تصويرِ ذواتِ الأرواح، سواءً كان نحتًا للتماثيل، أو رسمًا لما فيه روح، تعظيمًا لجنابِ "المُصَوِّر"، وامتثالًا لأمرِ النبيِّ المُبَشِّرِ المُنذِر. ومن ابتليَ بهوايةٍ أو صنعةٍ، فليقتصر على ما لا روحَ فيه، كالشجرِ والأنهارِ والجبال، كما أرشدَ إلى ذلك حبرُ الأمةِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
ثالثًا: الرضا بالخِلقةِ واجتنابُ التغيير: من آمنَ بأنَّ اللهَ هو الذي قسَّمَ الصور، واختارَ لكلِّ عبدٍ شكلهُ ولونهُ بحكمته، رضيَ بما قسمَ اللهُ له، ولم يسخط. فيحرمُ على المسلمِ والمسلمةِ السعيُ لتغييرِ خلقِ اللهِ عبثًا، أو طلبًا لزيادةِ الحسنِ بما حرمَ الله، كعملياتِ التجميلِ التي لا ضرورةَ لها سوى اتباعِ الهوى. فقد لعنَ اللهُ الواشماتِ والمستوشمات، والمتنمصاتِ والمتفلجاتِ للحسن، المغيراتِ خلقَ الله. فالمؤمنُ يدركُ أنَّ صورتهُ هي اختيارُ ربهِ له، فيرضى ويُسلِّم، ولا يعترضُ على حُكمِ أحكمِ الحاكمين.
رابعًا: الشكرُ على نعمةِ الخلقِ الحسن: إذا وقفتَ -أيها العبد- أمامَ المرآة، ورأيتَ حُسنَ صورتك، وسلامةَ أعضائك، فتذكر "المُصَوِّر" جلَّ جلاله، واشكرهُ أن خلقكَ إنسانًا سويًّا، ولم يجعلكَ في صورةٍ أخرى، وادعُ بما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد الإمام في مسنده أنه كان نبيّنا ﷺ يدعو بقوله: «اللهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي».
أيها المسلمون: تدبّروا هذا الاسمَ العظيم، وتخلَّقوا بآثاره، إياكم والاعتراضَ على قضاءِ اللهِ في صوركم وأولادكم، وإياكم ومنازعةَ اللهِ في صفةِ خلقهِ بتصويرِ ما فيه الروح، أو تغييرِ الخلقةِ السوية. كونوا عبادًا شكورين، تعظمونَ "المُصَوِّر" بتنزيههِ عن الشبيه، وتعبدونهُ بالرضا والتسليم.
هذا وصلُّوا وسلِّموا على مَن أُمرتم بالصلاةِ والسلامِ عليه، البشيرِ النذير، والسراجِ المنير، محمدِ بنِ عبدِ الله. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمد، وعلى آلهِ الطيبينَ الطاهرين، وارضَ اللهم عن خلفائهِ الراشدين: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلي، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين. اللهم يا مصوِّرُ يا كريم، يا من صوَّرتنا في الأرحامِ كيفَ تشاء، جمِّل بواطننا بالتقوى كما جمَّلتَ ظواهرنا بالخلقِ الحسن، اللهم حسِّن أخلاقنا، وطهِّر قلوبنا، واجعلنا لك ذاكرين، ولك شاكرين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمهِ يزدكم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
أقم الصلاة.