عنوان الخطبة: سطوةُ القهّار... وإذلال الجبابرة
الخطبة الأولى
الحمدُ لله.. الحمدُ لله الذي خضعت لسطوتِه الرقاب، وذلَّت لعظمتِه الصِّعاب، ولانت لقدرتِه الشدائدُ الصلاب. الحمدُ لله الواحدِ القهّار، العزيزِ الغفّار، مُكوِّر الليلِ على النهار، تذكرةً لأولي القلوبِ والأبصار. أحمدهُ سبحانه، قهرَ كلَّ شيءٍ فخضعَ واستكان، وعلَا على كلِّ شيءٍ فما غالبهُ إنسٌ ولا جان، تفرّد بالبقاءِ والدوام، وحكمَ على خلقهِ بالفناءِ والانهزام.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادةً تنجي قائلَها من دارِ البوار، وتُحلّهُ دارَ القرار، شهادةً نُقرُّ فيها بوحدانيتِه، ونخضعُ فيها لقهريتِه، فهو الغالبُ الذي لا يُغلَب، والقاهرُ الذي لا يُحرَب. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المصطفى المختار، وإمامُ المتقين الأبرار، الذي كان يلوذُ بربه في الليلِ والنهار، داعيًا ومخبتًا للواحدِ القهّار، صلى الله عليه وعلى آلهِ الأطهار، وصحابتِه الأخيار، المهاجرين منهم والأنصار، وسلّم تسليمًا كثيرًا ما تعاقبَ الليلُ والنهار.
أما بعدُ، فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي الزادُ ليومِ المَعَاد، وهي الحِصنُ من عذابِ يومِ التَّناد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أيها المسلمون: يا من تسيرون إلى آجالكم، وترجون رحمة ربكم: حديثُنا اليوم عن اسمٍ من أسماءِ الجلال، وصفةٍ من صفاتِ الكمال، اسمٌ ترتجفُ منه قلوبُ الظالمين، وتطمئنُّ به أفئدةُ المستضعفين، اسمٌ تجلَّت فيه عظمةُ المُلكِ والسُّلطان، وظهرت فيه قوةُ العزيزِ الرحمن... إنه اسمُ الله (القهّار).
القهّارُ -يا عباد الله- هو الذي قهرَ الخلائقَ أجمعين، ودانَ له صنوفُ العالمين، علويُّهم وسفليُّهم، طوعًا وكرهًا، فما من دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها، وما من قوةٍ إلا هو قاهرُها ومُذلُّها... وفي لغةِ العرب، القهرُ هو الغلبةُ والأخذُ من فوق، وهو التذليلُ والترويض، يُقال: قهرَ الدابةَ إذا روضها وذلّلها، والله جلَّ في علاه هو القهّار الذي روّضَ طغيانَ الطغاة، وكسرَ شوكةَ العُتاة، وصيّرهم في حالٍ يذلّون فيها بعد العزّة، ويخضعون بعد المنعة.
تأمّلوا -رحمكم الله- كتابَ ربكم، تجدوا أن هذا الاسم العظيم "القهّار" قد وردَ في ستةِ مواضع، كلُّها مقرونةٌ باسمه "الواحد"، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وهنا يقفُ العقلُ خاشعًا أمام هذا الاقترانِ العجيب، والسرِّ المهيب؛ فالقهرُ والتوحيدُ متلازمان، إذ لا يكونُ القهّارُ إلا واحدًا، ولو كان معه شريكٌ لغالبه، ولنازعه في ملكه، فبطلَ قهرُه، ولكن لما كان واحدًا لا شريك له، ثبتَ له القهرُ المطلق، فلا مُغالبَ لأمره، ولا رادَّ لقضائه. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "لا يكون القهّار إلا واحدًا، إذ لو كان معه كُفءٌ، فإن لم يقهره لم يكن قهّارًا على الإطلاق". فسبحان من تفرّد بالوحدانية، واستأثر بالقهرِ والألوهية.
عباد الله: إنَّ قهرَ الله ليس كقهرِ المخلوقين، حاشا لله! فقهرُ المخلوقِ قد يكونُ ظلمًا، وقد يكونُ عدوانًا، أما قهرُ الله فهو كمالٌ وعدل، وحكمةٌ وفضل. هو قهرٌ يرجعُ إلى كمالِ قدرتِه، وتمامِ قوتِه، فهو القادرُ الذي لا يُعجزه شيء، وهو القاهرُ فوق عباده، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. إنه قهرُ العلوِّ والاستعلاء، وقهرُ العزةِ والكبرياء. قال أهلُ العلم: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، واستكانت لعظمته الخلائق، فتضاءلت بين يديه، وتحت حكمه وقهره.
انظروا حولكم، وتفكّروا في مصارعِ الغابرين.. أينَ الجبابرةُ والأكاسرة؟ أين الفراعنةُ والقياصرة؟ أينَ من قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؟ جاءهم قهرُ القهّار، فأحالهم رميمًا، وجعلهم أحاديث، وأخلى منهم الديار، ومحا منهم الآثار. إنَّ الله يملي للظالم، ويُمهلُ الطاغي، حتى يظنَّ المغرورُ أن لن يُقدرَ عليه، فإذا أخذه الله، أخذه أخذَ عزيزٍ مقتدر، أخذَ قهرٍ لا إفلاتَ منه، مصداقًا لقول الصادق المصدوق ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ». تلك سنةُ القهّار في خلقه، يكسرُ كلَّ جبارٍ عنيد، ويذلُّ كلَّ متكبرٍ مريد، ليعلمَ الخلقُ أنَّ الملكَ للهِ الواحدِ القهّار.
وتجلَّى هذا القهرُ بأعظمِ صوره في مشهدٍ تقشعرُ له الجلود.. يومَ يُنفخُ في الصور، وتتبعثرُ القبور، وتُطوى السماءُ كطيِّ السجلِّ للكتب، وتفنى الخلائقُ وتموت، فلا يبقى ملكٌ ولا مملوك، ولا جبارٌ ولا صعلوك.. في ذلك الصمتِ الرهيب، والعدمِ العجيب، ينادي الجبارُ جلَّ جلاله في الحديث الصحيح المتفق عليه: «أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟»، ثم يقول: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فلا يجيبُ أحد.. فيجيبُ نفسَه بنفسِه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. هناك ينتهي كلُّ طغيان، ويزولُ كلُّ سلطان، ويبقى وجهُ ربك ذو الجلالِ والإكرام.
أيها المؤمنون: إنَّ الإيمانَ بهذا الاسم العظيم يورثُ في القلبِ مهابةً وانكسارًا، وخوفًا وازدجارًا. من عرفَ أنَّ ربه قهّار، كيف يجرؤُ على معصيتِه؟ كيف يتكبّرُ على خلقِه؟ لقد توعّد الله المتكبرين، ونازعهم رداءَ الكبرياء، ففي الحديث القدسي: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ». فإياك إياك أيها العبدُ الضعيف، يا من خُلقتَ من ماءٍ مهين، وستصيرُ إلى ترابٍ دفين، إياك أن تتجبرَ على عباد الله، أو تغترَّ بقوةٍ أو مالٍ أو جاه، فإنَّ فوقك قاهرًا لا يغفل، وغالبًا لا يُمهل.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله.. الحمدُ للهِ الذي قهرَ بالموتِ ذوي التيجان، وسوَّى تحت الترابِ بين الفقيرِ والسلطان، وأشهدُ أن لا إله إلا الله الواحدُ الديّان، وأشهدُ أنَّ نبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ من وحّد الرحمن، واستعاذَ من شرِّ النفسِ والشيطان، صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا: أنَّ لاسم "القهّار" في حياةِ المؤمنِ أسرارًا وأنوارًا، فكما أنه يورثُ الخوفَ من الجليل، فإنه يورثُ الأملَ في نصرةِ الحقِّ والتمكين... إذا تكالبت عليك الهموم، واشتدت بك الغموم، وطغى عليك ظالمٌ غشوم، أو قهرتكَ نفسُك الأمارةُ بالسوء، فتذكر أنَّ لك ربًّا قهّارًا، يقهرُ الصعاب، ويفتحُ الأبواب، ويكشفُ العذاب.
لقد كان نبيُّنا ﷺ يعلّمنا أن نفزعَ إلى هذا الاسمِ عند تقلّبِ الأحوال في الليالي الطوال. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَضَوَّرَ عَنِ اللَّيْلِ -أي تقلب في فراشه من أرقٍ أو قلق، قَالَ في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم وابن حِبَّان: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ». ما أعظمه من دعاء، وما أجملها من مناجاة! تجمعُ بين التوحيدِ والقهر، والربوبيةِ والمغفرة. فاجعلوا هذا الدعاءَ وِردكم عند الأرق، وحصنكم عند القلق، فمن لاذَ بالقهّار قُهِرت له الشدائد، ومن احتمى بالعزيزِ الغفّار غُفرت له المعايب.
عباد الله: تواضعوا لمن قهرَ العباد، ولينوا بأيدي إخوانكم يرحمكم ربُّ العباد، واعلموا أنَّ المتكبرين يُحشرون يوم القيامة أمثالَ الذرِّ -أي النمل الصغير- يطؤهم الناسُ بأقدامهم، جزاءً وفاقًا، فمن تواضعَ لله رفعه، ومن تكبّرَ وضعه وقهرَه. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على من أُمرتم بالصلاة والسلام عليه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحبِ الوجهِ الأنور، والجبينِ الأزهر، وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمر أعداءَ الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهم يا واحدُ يا قهّار، يا عزيزُ يا غفّار، اقهر أعداءَ ملتنا، واكسر شوكةَ من حاربَ ديننا، اللهم من أرادنا وأراد بلادنا ومقدساتنا بسوءٍ فاشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا قوي يا عزيز. اللهم إنا نعوذُ بك من قهرِ الرجال، وشماتةِ الأعداء، وعُضالِ الداء، وخيبةِ الرجاء. اللهم اقهر شياطيننا، واقهر أنفسنا الأمارة بالسوء، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسنِ عبادتك. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
أقم الصلاة.