في رحاب اسم الله "الوهّاب"


مقالة منبر الأسماء الحسنى الوهاب 1 د آخر تحديث: 2026-03-07
تم نسخ الرابط
في رحاب اسم الله "الوهّاب"

عنوان الخطبة: في رحاب اسم الله "الوهّاب"

بين يدي خزائن لا تنفد وعطاء لا ينقطع

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الذي تفرّدَ بالجلالِ والجمال، وتنزّهَ عن الشبيهِ والمثال، وتكرّمَ بالعطاءِ والإفضال. الحمدُ للهِ "الوهّاب"، مُغدِقِ النعمِ بلا حساب، وفاتحِ المغاليقِ لكلِّ باب، ومُنزِلِ الكتاب، ومُجري السحاب، وهازمِ الأحزاب.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةً نرجو بها النجاةَ يومَ المآب، ونأمنُ بها من سوءِ الحساب. هو المالكُ لخزائنِ السماواتِ والأرض، يعطي مَن يشاء، ويمنعُ مَن يشاء، لا رادَّ لفضلِه، ولا مُعقِّبَ لحُكمِه، يُعطي بلا عِوَض، ويمنحُ بلا غَرَض.

وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المصطفى المختار، والنيّرُ في الأسحار، الذي علّمنا كيف نسألُ اللهَ من فضلهِ المدرار، صلى اللهُ وسلّمَ وباركَ عليه، وعلى آلهِ الأطهار، وصحابتِه الأخيار، ومَن تبعهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الليلُ والنهار.

أما بعدُ، فيا عبادَ الله: أوصيكم ونفسي الخاطئةَ بتقوى اللهِ عز وجل، فهي الزادُ يومَ المَعاد، وهي العُدّةُ للعباد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. اتقوا اللهَ؛ فمنِ اتقاهُ وقاه، ومن توكّلَ عليه كفاه، ومن سألَهُ أعطاه.

أيها المؤمنون، يا روّادَ بيوت الله: حديثُنا اليومَ عن اسمٍ عظيمٍ من أسماءِ اللهِ الحسنى، اسمٍ يفتحُ أبوابَ الرجاء، ويُبدّدُ غيومَ اليأسِ والشقاء. إنه اسمُ اللهِ (الوَهَّاب).

فالوهّابُ جلَّ جلالُه هو كثيرُ المواهب، عظيمُ العطايا، واسعُ الهبات. هو الذي يجودُ بالعطاءِ، ولا ينتظرُ من خلقهِ الجزاء. تأمّلوا -رحمكم الله- في لغتِنا العربيةِ الشريفة، تجدوا أنَّ "الوهّاب" جاءَ على صيغةِ المبالغةِ (فَعَّال)، وتلك الصيغةُ لا تُطلَقُ إلا على من كثُرَ منهُ الفعلُ وتكرّر، وعظُمَ خيرُه وتقرّر. فاللهُ تعالى لم يهبنا مرةً واحدة، بل هو يهبُ العبادَ واحدًا بعد واحد، في كلِّ لحظةٍ وطرفةِ عين، إعطاءً تفضلًا منه وابتداءً، من غيرِ استحقاقٍ منا ولا مكافأة.

يقولُ أهلُ العلمِ كابنِ منظورٍ والزجاجي: "الهِبةُ هي العطيةُ الخاليةُ عن الأعواضِ والأغراض". فالبشرُ إذا أعطوا انتظروا المقابل، إما مدحًا يُكال، أو خدمةً تُنال، أو دفعًا لمذمةٍ تقال. أما اللهُ الوهّاب، فهو الذي يُعطي الخلقَ ابتداءً من محضِ فضله، دونَ أن يكونَ لأحدٍ عليه حقٌ واجب، أو سعيٌ راتب.

الوقفة الأولى: انفراد الله بملك العطايا: عبادَ الله: قِفوا بقلوبكم أمامَ عظمةِ هذا الاسم، لتعلموا أنَّ اللهَ الوهّاب هو المالكُ الحقيقيُّ لكلِّ العطايا. خزائنُ الكونِ كلِّه بيدِه، ومقاليدُ السماواتِ والأرضِ في قبضتِه. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾.

إنهُ الخالقُ والمالكُ والمتصرف. ما شاءَ كان، وما لم يشأ لم يكن. لا مانعَ لما أعطى، ولا مُعطيَ لما منع. فإذا رأيتَ العبادَ يملكونَ شيئًا، فاعلم أنَّ ما بأيديهم هو في الأصلِ هبةٌ من اللهِ لهم، عاريةٌ مستردّة، ونعمةٌ مُسداة. ضربَ اللهُ مثلًا بليغًا في كتابِه ليُبيّنَ عجزَ الخلقِ عن التفردِ بالعطاء، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. فكيفَ يُرجى العطاءُ ممن لا يملكُ لنفسِه نفعًا ولا ضرًا؟! إنما يُرجى من "الوهّاب" الذي بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيء.

الوقفة الثانية: الفرق بين هبات الخالق والمخلوق: أيها الأحبةُ في الله: شتّانَ شتان، بينَ عطاءِ الواحدِ الديان، وعطاءِ بني الإنسان. إنَّ عطاءَ المخلوقِ -مهما كَثُر- محدودٌ ومشروط، ومحصورٌ ومربوط. المخلوقُ قد يهبُكَ مالًا، أو يمنحُكَ عقارًا، في حالٍ دونَ حال. ولكن.. هل يملكُ المخلوقُ أن يهبَ الصحةَ للمريض؟ هل يملكُ أن يهبَ الولدَ للعقيم؟ هل يملكُ أن يهبَ الهدايةَ للضال؟ أو العافيةَ للمبتلى؟ كلا والله! هذا لا يكونُ إلا للهِ الوهّاب. قال الإمامُ الخطابيُ رحمه الله: "المخلوقون إنما يملكون أن يهبوا مالًا أو نوالًا.. ولا يملكون أن يهبوا شفاءً لسقيم، ولا ولدًا لعقيم، ولا هدًى لضلال.. واللهُ الوهابُ يملكُ جميعَ ذلك". فيا من ضاقت عليهِ الأسباب، وأُغِلقت في وجههِ الأبواب، وتعسّرت عليهِ المطالبُ والرغاب.. الْجأ إلى الوهّاب! فهو الذي وسعَ الخلقَ جودُه، واتصلت مننُه، ودامت عوائدُه. البشرُ يهبونَ لغرض أو عوض، واللهُ يهبُ لغيرِ عوض؛ لأنه الغنيُّ عن العالمين.

الوقفة الثالثة: الاختصاص بالفضل: ثم اعلموا -يا رعاكم الله- أنَّ أعظمَ المواهبِ، وأجلَّ الرغائب، هي التي يختصُ اللهُ بها من يشاءُ من عباده. النبوةُ هبة، والحكمةُ هبة، والملكُ هبة، والعلمُ هبة. لقد أنكرَ الكفارُ قديمًا أن يخصَّ اللهُ بشرًا بالوحي دونهم، فقالوا عن نبيِّ اللهِ صالح: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا﴾، وقالوا عن نبينا محمدٍ ﷺ: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾. فجاءَ الردُّ الصاعقُ من فوقِ سبعِ سماوات، بصيغةِ الاستفهامِ الإنكاري: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾. من أنتم لتُقسِّموا رحمةَ الله؟! اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَه، وهو الوهابُ الذي يهبُ المُلكَ لمن يشاء، والنبوةَ لمن يصطفي. وهبَ لداودَ وسليمانَ الملكَ والحكمة، ووهبَ لإبراهيمَ الذريةَ الصالحةَ عند الكبر، ووهبَ لموسى أخاهُ هارون وزيرًا. فكلُّ نعمةٍ دينيةٍ أو دنيويةٍ هي محضُ تفضّلٍ من الله، يخصُّ بها يشاء. وصدقَ ابنُ القيمِ حينَ قال في نونيتهِ العذبة:

وكذلكَ الوهّابُ من أسمائهِ *** فانظُر مواهبَهُ مدى الأزمانِ

أهلُ السماواتِ العُلا والأرضِ عن *** تلكَ المواهبِ ليسَ ينفكّانِ

فلا تحسدْ أحدًا على نعمةٍ وهبهُ اللهُ إياها، فإنكَ بذلك تعترضُ على قسمةِ الوهّاب، ولكن سَلِ اللهَ من فضله، فإنَّ خزائنَهُ ملأى.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربُنا ويرضى. الحمدُ للهِ الذي يُجيبُ من دعاه، ويُعطي من سأله ورجاه. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، الوهّابُ المنّان، وأشهدُ أنَّ نبيّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ من شكرَ وأفضلُ من عبد، صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، واعلموا أن للإيمانِ باسمِ اللهِ "الوهّاب" أثرًا في القلب، ونورًا في الدرب، وسلوكًا في الحياة. فمن عرفَ أنَّ ربَّه هو الوهاب، تجلّت في حياتِه ثمارٌ يانعة، وخصالٌ رائعة:

أولًا: تعلّقُ القلبِ باللهِ وسؤالُه وحده: إذا علمتَ أنَّ اللهَ هو الوهاب، فلا يطرقُ اليأسُ قلبَك أبدًا. مهما تعسّرتِ الأمور، ومهما تأخرَ الفرج. ألم تسمعوا قولَ النبيِّ ﷺ في الحديثِ المتفقِ عليه: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ [أي لا يُنقصها إنفاقٌ]، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». يده سبحانه تفيضُ بالعطاء، ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا. فاجعلوا هذا الاسمَ مفتاحًا لدعائكم. لقد أثنى اللهُ على الراسخينَ في العلمِ بدعائهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. وانظروا إلى همةِ الأنبياءِ في الدعاء؛ هذا سليمانُ عليه السلام لم يرضَ بالقليل، بل طمعَ في فضلِ الوهابِ فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. فاستجابَ اللهُ له، وسخّرَ له الريحَ والجنَّ والطير. فلا تستكثرْ شيئًا على الله، ولا تترددْ في طلبِ خيرِ الدنيا والآخرة، فأنتَ تسألُ من بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيء.

ثانيًا: أن يكونَ العطاءُ منهجًا لحياتك: من عبدَ الوهّابَ، تخلّقَ بصفةِ الجودِ والكرم. فاللهُ يحبُ من عبادهِ الكرماء، ويبغضُ البخلاء. جاءَ في الحديثِ القدسي المتفق عليه: «أَنْفِقْ، أُنْفِقْ عَلَيْكَ». يا ابنَ آدم، هَبْ مما وهبَك الله. إن كنتَ ذا مالٍ فجد بمالك، وإن كنتَ ذا علمٍ فجد بعلمك، وإن كنتَ ذا جاهٍ فانفع الناسَ بجاهك. واعلموا أنَّ أحبَّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناس. كن وهّابًا للخير، باذلًا للمعروف، هيّنًا ليّنًا، يعوّضكَ اللهُ أضعافًا مضاعفة، ويخلفُ عليكَ في أهلكَ ومالك. وكما تُعطي يُعطى لك، والجزاءُ من جنسِ العمل.

ثالثًا: شكرُ النعمِ ونبذُ الكبر: من عرفَ الوهّاب، تواضعَ لعظمته، وشكرَ نعمتَه. فكلُّ ما تتقلبُ فيه من صحةٍ ومالٍ وذكاءٍ وقوة، ليسَ بذكائكَ ولا بجهدك، إنما هو هبةٌ من الله. ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. إياكَ أن تقولَ كما قالَ قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، فيخسفَ اللهُ بكَ وبنعمك. بل قل: هذا من فضلِ ربي. واستعمل هباتِ اللهِ في طاعتِه، لا في معصيتِه. فحقُ النعمةِ شكرُها، وشكرُها ألا يُعصى اللهُ بها. فمن شكرَ الوهّابَ زاده: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. ومن رضيَ بقسمةِ الوهّاب، عاشَ غنيًّا، وماتَ تقيًّا، ولقيَ ربًا راضيًا غيرَ غضبان.

ألا وصلّوا وسلّموا -رحمكم الله- على مَن أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقالَ عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحبِ الوجهِ الأنور، والجبينِ الأزهر، وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، وعنّا معهم بعفوك وكرمك يا أكرمَ الأكرمين.

اللهم يا وهّاب، يا واسعَ العطايا يا توّاب، هبْ لنا من لدنكَ رحمةً إنكَ أنت الوهّاب. اللهم إنا نسألُكَ من الخيرِ كلِّه، عاجلِه وآجلِه، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذُ بكَ من الشرِّ كلِّه، عاجلِه وآجلِه، ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم هبْ للمهمومينَ فرجًا، وللمكروبينَ مخرجًا، وللمذنبينَ توبةً، وللمرضى شفاءً وعافية. اللهم هبْ لنا في قلوبِنا نورًا، وفي أرزاقِنا بركة، وفي ذرياتِنا صلاحًا. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا. اللهم اغفر للمسلمينَ والمسلمات، والمؤمنينَ والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمهِ يزدكم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

أقم الصلاة.


مقالات مختارة