الرّحمن
ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كلّ شيء
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم "الرحمن" هو الاسم الدال على سعة رحمة الله تعالى وشمولها لجميع خلقه، وهو اسمٌ عظيمٌ من أسمائه الحسنى، اختصّ الله به نفسه، فلا يجوز أن يُسمَّى به غيره من المخلوقين، بخلاف اسم "الرحيم" الذي قد يُوصَف به غيرُه. و"الرحمن" من الناحية اللغوية مشتقّ من الرحمة، ومادة (ر ح م) تدور حول معاني الرّقة والتعطّف،[1] ولكن الرحمة في حقّ الله تعالى صفة كمال تليق بجلاله وعظمته، منزّهة عن النقص والعجز ورقة المخلوقين.
وقد قرن الله هذا الاسم باسمه الأعظم "الله" في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، وافتتح به أمَّ الكتاب، وجعله عنوانًا لرسالته إلى خلقه، فقال في مطلع كل سورة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. واسم "الرحمن" على وزن "فَعْلَان"، وهي صيغة مبالغة تدلّ على الامتلاء والسعة والكثرة، فالله هو "الرحمن" الذي امتلأ رحمةً، وعمّت رحمته البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، في الدنيا.
ومن الناحية الشرعية والعقدية عند أهل السنة والجماعة، يُعَدُّ "الرحمن" اسم علم على الذات الإلهية، يتضمن إثبات صفة "الرحمة" لله تعالى إثباتًا حقيقيًا يليق بجلاله، دون تحريف ولا تعطيل، ودون تكييف أو تمثيل. وقد أوضح العلّامة السعدي هذا المعنى بدقة في تفسير البسملة في أوّل سورة الفاتحة، حين قال: «{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمّت كل حيّ، وكتبها للمتقين المتّبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها»[2].
ونقل بعض الباحثين اتفاق العلماء على عربية هذا الاسم، فقال: «واتفق أكثر العلماء على أن اسم (الرحمن) عربي لفظه... وقال ثعلب: إنه عبرانيّ الأصل، وكان رخمانا بالخاء المعجمة»[3]. والحقّ أنه عربي أصيل مشتق من الرحمة كما دلت عليه الأحاديث واللغة.
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: الفرق الدقيق بين "الرحمن" و"الرحيم"
قد يتساءل المرء عن الجمع بين الاسمين في قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وما الفائدة من تكرار ذكر الرحمة؟ والجواب أن لكلّ اسم منهما دلالةً خاصةً لا يغني عنها الآخر. فاسم "الرحمن" دالٌّ على الصفة الذاتية لله تعالى، أي أنه موصوف بالرحمة الواسعة التي هي صفته اللازمة له أزلًا وأبدًا، أما "الرحيم" فهو دالٌّ على تعلّق هذه الرحمة بالمرحومين، أي وصولها إليهم.
وقد أوضح هذا المعنى ابن القيم بعبارة جامعة مانعة فقال: «إنّ الرحمنَ: دالٌّ على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيمّ: دالٌّ على تعلّقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل. فالأول دالّ أن الرحمة صفتُه، والثاني دالّ على أنه يرحم خلقه برحمته. وإذا أردت فهم هذا فتأمّل قوله: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]، {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التّوبة: 117]، ولم يَجِئْ قطّ: رحمان بهم، فعُلِم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته، وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب»[4].
الوقفة الثانية: استواء "الرحمن" على العرش
من أسرار القرآن العظيمة اقتران اسم "الرحمن" بصفة "الاستواء على العرش" في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وقولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 59]. والسرّ في ذلك -والله أعلم- أن العرش هو سقف المخلوقات وأعظمها وأوسعها، فناسب أن يُذكَر معه الاسمُ الذي دلّ على أوسع الصفات وهي "الرحمة". فكما أن العرش وسِع المخلوقات كونيًّا ومكانًا، فإن رحمة الله وسعت المخلوقات جميعًا عنايةً وإحسانًا.
قال ابن القيم مبينًا هذا التناسب البديع: «فاستوى على عرشه باسم "الرحمن"؛ لأنّ العرش محيط بالمخلوقات، قد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات؛ فلذلك وسعت رحمته كل شيء»[5].
الوقفة الثالثة: "الرحمن" الاسم الخاصّ الذي لا شريك له فيه
تفرّد الله سبحانه بهذا الاسم، فحرُم على خَلقه أن يتسمَّوا به، وقد حاول "مسيلمة الكذاب" أن يسطوَ على هذا الاسم فتسمَّى بـ"رحمان اليمامة"، فألبسه الله ثوب الكذب والخزي، وصار لا يُذكَر إلا وقيل: "الكذّاب". هذا الاسم له جلالة وهيبة، حتى إن العرب في جاهليتها كانت تُنكره استكبارًا، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60].
قال ابن كثير: «والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يُسمَّى به غيرُه، ومنها ما لا يُسمَّى به غيرُه، كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحوِ ذلك؛ فلهذا بدأ باسم الله، ووصفَه بالرحمن؛ لأنه أخصّ وأعرفُ من الرحيم»[6].
الوقفة الرابعة: الرحمة التي سبقت الغضب
من عظيم البُشريات للمؤمنين، بل للخلق أجمعين، أن رحمة "الرحمن" تغلب غضبه وتسبقه. وهذا يعني أن الأصل في معاملة الله لعباده هو الرحمة والإحسان، وأن العقوبة لا تكون إلا لسبب عارض اقتضته الحكمة والعدل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي»[7]. إنّ استحضار هذا المعنى يفتح أبواب الرجاء، ويطرد اليأس من القلوب، فمهما عظُمت الذنوب، فرحمة "الرحمن" أعظم، ومهما اشتدت الكروب، ففرج "الرحمن" أقرب.
ثالثًا: أثر اسم (الرحمن) في حياة المسلم
- بثُّ روح الأمل والرجاء في النفس: حين يعلم المسلم أنّ ربّه هو "الرحمن"، يمتلئ قلبه طُمأنينة وسكينة، ويعلم أن ما يُصيبُه من أقدار مؤلمة إنما هو رحمة خفيّة من ربّه. فالمريض، والفقير، والمحزون، كلّهم يتقلّبون في رحمة الله، وإن خفيت عليهم حكمتها. إنّ هذا الاسم يقتل القنوط في مهده، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزُّمر: 53]. ورُوِي عن ابن المبارك أنه قال: «الرحمن إذا سُئِل أعطى، والرّحيم إذا لم يُسأَلْ غَضِب»[8].
- الرحمة بالخلق والتخلّق بهذا الخُلق الكريم: إن العبد الرّباني هو الذي يقتبس من معاني أسماء الله تعالى ما يليق بعبوديته. فمَن عبدَ "الرحمن"، لزم أن يكون رحيمًا بعباد الله، يرحم الضعيف، ويَغيث الملهوف، ويعفو عن المُسيء. وقد جعل الله الرحمة بخَلقه سببًا لنيل رحمته، ففي الحديث: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[9].
- التوسّل به في الدعاء والشدائد: اسم "الرحمن" من أحبّ الأسماء إلى الله، وهو مفتاح لإجابة الدعاء، خاصة في الملمّات. وقد أمرنا الله أن ندعوه به مساويًا لاسم الجلالة "الله"، فقال: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]. وكان من الأسماء التي يدعو بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وذَكَرَ أنّ عيسى ابن مريم –عليه السلام- كان يعلّمُ أصحابَه هذا الدعاء الذي به استغاثة بالرحمن: «اللَّهُمَّ فَارِجَ الهَمِّ، كَاشِفَ الْغَمِّ، مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، رَحْمَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، أَنْتَ تَرْحَمُنِي، فَارْحَمْنِي بِرَحْمَةٍ تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ»[10].
- الشعور بالعزّة والمحبّة لله تعالى: إن عبادة "الرحمن" عبادةُ حبّ وقرب، لا عبادةُ خوف مجرّد. فالله سبحانه أنعم علينا بنعم لا تُحصى، بَدءًا مِن خلقنا، ورزقنا، وهدايتنا، كلّ ذلك من آثار اسمه "الرحمن". قال النجدي: «من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة الرحمة، وهي صفة كمال لائقة بذاته كسائر صفاته العلى، لا يجوز لنا أن ننفيها أو نعطلها لأن ذلك من الإلحاد في أسمائه»[11]، وإثبات هذه الرحمة يورث في القلب محبةً عظيمةً لمن هذا شأنه، ومَن أحبّ الله اشتاق إلى لقائه وتلذّذ بطاعته.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت
- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان، بيروت: دار ومكتبة الهلال، ط1، 1410هـ
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ.
- الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ، 1964م
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين، ط4، 1407هـ ، 1987م
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ - 1990م
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- يُنظَر: الصحاح للجوهري 5/1929، ولسان العرب لابن منظور 12/230.
- تيسير الكريم الرحمن للسعدي 1/ 39.
- النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 1/ 75.
- بدائع الفوائد لابن القيم 1/ 24.
- تفسير القرآن العظيم (مجموع من كتب ابن القيم) لابن القيم 1/ 37.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 126. ويُنظَر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/ 107.
- صحيح البخاري 4/106، ويُنظَر: 9/ 160.
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/ 105.
- سنن الترمذي 4/ 323، وقال: "حسن صحيح".
- أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 696، وقال في آخره: هذا حديث صحيح".
- النهج الأسمى للنجدي 1/ 80.