الجبَّار


مقالة في رحاب الأسماء الجبار 1 د آخر تحديث: 2026-03-07
تم نسخ الرابط
الجبَّار

الجبَّار

مُصلِحُ القلوبِ وقاصِمُ الظالمين

أولًا: معنى الاسم والتعريف به

اسم «الجبَّار» من أسماء الله الحسنى التي تجمع بين معاني الجلال والجمال، والهيبة والرحمة، وهو اسمٌ عظيمٌ يدل على كمال تصرف الله في خلقه وقدرته عليهم. وفي اللغة، تدور مادة (ج ب ر) حول عدة معانٍ رئيسة، منها: إصلاح الشيء بضربٍ من القهر، والعلو، والقوة. وَالِاسْتِقَامَةِ، قال ابن فارس: «(جَبَرَ): الجِيمُ وَالبَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ العَظَمَةِ وَالعُلُوِّ وَالِاسْتِقَامَةِ. فَالْجَبَّارُ: الَّذِي طَالَ وَفَاتَ الْيَدَ»[1]، وقال ابن منظور: «الجَبَّارُ: اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ الْقَاهِرُ خَلْقَهُ عَلَى مَا أَراد مِنْ أَمر وَنَهْيٍ... والجَبَّارُ: الْمُتَكَبِّرُ الَّذِي لَا يَرَى لأَحد عَلَيْهِ حَقًّا»[2]، وقال الراغب: «أصل الجَبْرِ: إصلاح الشيء بِضربٍ من القَهْرِ»[3]، ومنه جَبَرَ العظمَ؛ أي أصلح كسرَه؛ وجَبَر الفقيرَ: أغناه، وجَبَرَ الخاسرَ عوَّضَهُ، وجبرَ المريضَ: عالجَه؛ ويستعمل الجبر بمعنى الإكراه على الفعل والإلزام بلا تخيير.

فاسم «الجبَّار» في حقّ الله تعالى يجمع هذه المعاني على وجه الكمال؛ فهو الذي يجبر الكسير ويغني الفقير، وهو الذي يقهر الجبابرة ويذلهم، وهو العلي بذاته فوق جميع خلقه. وقد ورد هذا الاسم الشريف في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة الحشر، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: 23]. كما ثبت في السنة النبوية في أدعية النبي ﷺ وتسبيحه. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على إثبات هذا الاسم لله تعالى، وما يتضمنه من صفة «الجبروت» التي تليق بجلاله، وهي صفة كمال ومدح في حق الخالق، بخلاف المخلوق الذي يكون التجبر في حقّه صفة نقص وذمّ. قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿الْجَبَّارُ﴾: «يعني: المصلّح أمورَ خَلْقِه، المُصرِّفهم فيما فيه صَلَاحِهْم»[4].

ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)

الوقفة الأولى: شموله لمعاني الجبروت الثلاثة: حرّر العلّامة ابن القيم -رحمه الله- معاني اسم «الجبَّار» تحريرًا بديعًا في نونيته، مبينًا أنه ينتظم ثلاثة معانٍ، فقال:

وكذلك الجبَّارُ من أوصافه***والجَبْرُ في أوصافه قسمانِ

جَبْرُ الضّعيفِ وكلِّ قلبٍ قد غدا***ذا كَسْرَةٍ فالجَبْرُ منه دانِ

والثّانِ جَبْرُ القهرِ بِالعِزِّ الّذي***لا ينبغي لسِواه من إِنسانِ

وله مُسمًّى ثالثٌ وهو العُلُوُّ***فليس يَدنو مِنه مِن إنسانِ

من قولهم جَبَّارةٌ للنَّخْلِةِ الـ ***ـعُلْيَا الّتي فَاتَت لكُلِّ بَنَانِ[5]

فالمعنى الأول: جَبْرُ الرَّحْمَةِ: وهو إصلاح حال العباد، فيجبر الفقير بالغنى، والمريض بالصحة، والمنكسر باللطف والتوفيق. والمعنى الثاني: جَبْرُ القَهْرِ: فهو سبحانه قَهَرَ كلَّ شيء، وخضع له كلُّ شيء، ودانت له الخلائقُ. والمعنى الثالث: جَبْرُ العُلُوِّ: فهو سبحانه فوق خلقه عالٍ عليهم، لا يدنو منه أحد، كالنَّخلة الجَبَّارَةِ الَّتي فاتتِ اليد.

الوقفة الثانية: الفرق بين تجبر الخالق وتجبر المخلوق: إن اسم «الجبَّار» في حق الله تعالى مدحٌ وكمال، أما في حق العبد فهو ذمٌّ ونقص؛ لأنّ العبد مخلوق ضعيف، فإذا تكبر وتجبّر فقد ادعى ما ليس له ونازع الله في ردائه. قال تعالى في ذم المتجبرين: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]. قال ابن القيم: «فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك، ولهذا كان من أسمائه الحسنى، وأما المخلوق فاتصافه بالجَبَّار ذم له ونقص، كما قال... لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار} أي مسلِّط تَقهرهم وتُكرههم على الإيمان»[6]، فالله سبحانه هو الجبار الحقّ الذي قهر العباد بالموت، وأذلهم بالمرض، ولا يخرج أحد عن قبضته، أما المخلوق فمهما تجبر فهو ذليل مقهور تحت سلطان الله، وصائر إلى التراب. قال قتادة في تفسير معنى اسم الله الجبار: «جَبَرَ خَلْقَهُ عَلَى ما يَشَاء مِنْ أَمْرِهِ»[7]

الوقفة الثالثة: جبر الله لقلوب المنكسرين: من أرقّ معاني «الجبَّار» أنه هو الذي يجبر قلوب أوليائه، ويُذهِب أحزانهم، ويبدّل خوفهم أمنًا. قال السعدي في تفسيره: «(الجبّار): بمعنى العليّ الأعلى، وبمعنى القهّار، وبمعنى الرؤوف الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف العاجز، ولمن لاذ به ولجأ إليه»[8]، فإذا انكسر العبد من ذل المعصية جبره الله بالتوبة، وإذا انكسر من فقر الحاجة جبره بالغنى، وإذا انكسر من هموم الدنيا جبره بالسكينة والرضا. وهذا المعنى يفتح للعبد باب الرجاء والانتظار للفرج؛ فإن الله تعالى ما سَمَّى نفسه الجبّار إلا ليَجبر عباده. وكان من دعاء النبي ﷺ بين السجدتين: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي»[9]، فطلب الجبر هنا يشمل إصلاح الدين والدنيا.

الوقفة الرابعة: قَصْم الجبابرة والانتصارُ للمظلومين: اقترن اسم الجبّار بالانتقام من أعدائه الذين طغَوا في البلاد. فكما أنه يجبر أولياءه، فإنه يقصِم أعداءه بجَبروته. قال تعالى عن قوم عاد: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: 59]، فأهلكهم الله وجعلهم عبرة. وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ... يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ...»[10]، فالله سبحانه يمهل الظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، وهذا مقتضى اسمه الجبار الذي لا يُغالب.

ثالثًا: أثر اسم (الجبَّار) في حياة المسلم

  1. الخضوع لعظمة الله والتذلل له: إن معرفة العبد بأن ربه هو «الجبَّار» الذي قهر الخلائق، تُورث في قلبه الذُّلّ والانكسار لعظمته، والخوف من سطوته. فكلما عَظُم الجبار في قلب العبد، صَغُرت نفسه عنده، وتلاشى تعظيمه للمخلوقين. روى النسائي وصححه الألباني من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»[11]، فاستشعار هذه المعاني في الصلاة يملأ القلب هيبة وإجلالًا لله تعالى.
  2. اللجوء إلى الله لطلب الجبر عند المصائب: المؤمن إذا أصابته مصيبة أو نزل به كسر في نفسه أو ماله أو ولده، فزع إلى «الجبَّار» موقنًا أنه وحده القادر على جبر كسره وتعويضه خيرًا. فاسم الجبار يبعث في النفس الأمل والسكينة، ويطرد اليأس والقنوط. قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87]. فمن عرف أن ربه جبّار، لم يَطُل حزنُه، ولم يستبد به القلق، بل يلهج لسانه بالدعاء: "يا جبار اجبرني"، فيجبر الله مصابه ويعوضه خيرًا مما فقد.
  3. الحذر من التكبر والظلم: إن الإيمان باسم الله الجبار يوجب على العبد أن يتجنب صفات الجبابرة من الكبر والظلم والعلو في الأرض بغير الحق. فقد توعد الله من اتصف بذلك بالطبع على قلبه والعذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]. وقد ذكر ابن القيم أن مِن صفات الرب تعالى: الجبّار، وأنه هذه الصفة في حق العباد وصف مذموم من معاني النقص[12]، فينبغي للمسلم أن يكون متواضعًا، لينًا، رحيمًا بالخلق، يرجو بذلك رحمة ربه وجبره، فمن تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله وقصمه.
  4. الثقة بنصر الله للمستضعفين: حينما يرى المؤمن طغيان الظالمين وجبروتهم، يتذكر أن الله هو «الجبَّار» الذي لا يعجزه شيء، وأنه يقهر الظالمين ويقصم ظهورهم. هذا اليقين يورث الثبات في القلب، والصبر على الأذى، وانتظار الفرج. قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15]. فالله سبحانه بالمرصاد لكل من تجبر على عباده، وهذا يبعث الطمأنينة في نفوس المظلومين بأن حقهم لن يضيع، وأن قوة الله فوق كل قوة.

 

 

قائمة المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم
  2. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
  3. جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ، 2000م
  4. سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
  5. سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السِّجِسْتاني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، صيدا، بيروت: المكتبة العصرية، ط1، د. ت
  6. سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
  7. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بيروت: دار المعرفة، ط1، 1398هـ، 1978م
  8. لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
  9. متن القصيدة النونية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ط2، 1417هـ
  10. مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرينَ، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ، 2001م
  11. معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس القزويني، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، ط1، 1399هـ، 1979م
  12. المفردات في غريب القرآن، الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دمشق، بيروت: دار القلم، الدار الشامية، ط1، 1412هـ
  13. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت

الحواشي

  1. مقاييس اللغة لابن فارس 1/ 501
  2. لسان العرب لابن منظور 4/ 113
  3. المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني 184
  4. جامع البيان للطبري 23/ 304. ويُنظَر: النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 143- 145
  5. متن القصيدة النونية لابن القيّم 209
  6. شفاء العليل 121
  7. جامع البيان للطبري 23/ 304
  8. تفسير الكريم المنان للسعدي 946
  9. سنن الترمذي 2/ 76، وفي هامشه: «حكم الألباني: صحيح».
  10. مسند أحمد بن حنبل 14/ 152، وفي هامشه: « إسناده صحيح على شرط الشيخين... قوله: "عنُق مِنَ النَّارِ"؛ أي: حُزمة منها»، وسنن الترمذي 4/701، وفي هامشه: «حكم الألباني: صحيح».
  11. مسند أحمد بن حنبل 39/ 405، وفي هامشه: «إسناده قوي»، وسنن أبي داود 1/230، وفي هامشه: «حكم الألباني: صحيح».
  12. يُنظَر: شفاء العليل 121

مقالات مختارة