الوهّاب
واهبُ العطايا بلا عِوَضٍ ولا مقابل
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم "الوَهَّاب" من أسماء الله الحسنى الدالة على كثرة مواهب الله وعطاياه بلا حدود ولا انتظار لمقابل. وهو صيغة مبالغة على وزن "فَعَّال" تفيد كثرة الفعل وتكراره؛ فالله تعالى كثيرُ الهِبَة والعطاء لعباده. والوَهْب في اللغة هو إعطاء الشيء دون عوض (الهِبَة)، فمن أكثر من فعل ذلك سُمِّي وَهَّابًا. وقد قال ابن منظور: «فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: الوَهَّابُ. الهِبةُ: العَطِيَّة الخاليةُ عَنِ الأَعْواضِ والأَغْراضِ، فإِذا كَثُرَتْ سُمِّي صاحِبُها وَهَّاباً، وَهُوَ مِنْ أَبنية المُبالغة. غَيْرُهُ: الوَهَّابُ، مِنْ صفاتِ اللَّهِ: المُنعِمُ عَلَى الْعِبَادِ»[1]، وقال الزَّجَّاجي: «الوَهَّابُ: الكثيرُ الهِبةِ والعَطيَّةِ، وفَعَّالٌ في كلامِ العربِ للمبالغة؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ وهَّابٌ؛ يَهَبُ لعبادِه واحدًا بعدَ واحدٍ ويُعطيهم، فجاءت الصفةُ على فَعَّالٍ لكثرةِ ذلك وتردُّدِه، والهِبةُ: الإعطاءُ تفضُّلًا وابتداءً مِن غيرِ استحقاقٍ ولا مُكافأةٍ»[2]. فالله الوهّاب هو الذي يُغدِق النِّعَم والهباتِ على الخلق ابتداءً من فضله، دون أن يكون أحدٌ قد استحقها عليه أو أوجبها. وقد ورد اسم الوهاب في القرآن الكريم ثلاث مرّاتٍ، كلها في سياق بيان عطايا الله الواسعة؛ منها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]. قال السعدي في تفسيره: «أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات»[3]، فهذا الاسم العظيم يُثبت لله صفة الوَهْب (كثرة المواهب والعطايا) على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه المتفرِّدُ بأن يَمنح بلا عوض ويُعطي بلا حساب. ولا يُسمَّى مخلوقٌ "وهّابًا" بإطلاقٍ إلا تجوُّزًا؛ إذ الكمال المطلق في هذا الوصف لا يكون إلا لله وحده.
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: الله الوهاب هو المالك لجميع العطايا: لله وحده خزائن كل شيء، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء؛ فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. الوهاب هو الله وحده؛ لأنه المالك لكلِّ ما يَهَب، أما العباد فما عندهم فهو من عطايا الله لهم في الأصل. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا...﴾ [الشورى: 49]: «يخبر تعالى أنه خالق السماوات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع»[4]، فكلُّ ما في الكون ملكه، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر على من يشاء. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] للإشارة إلى عجز المخلوق عن التفرّد بالعطاء استقلالًا.
الوقفة الثانية: هبات الله تعالى تختلف عن هبات المخلوقين: عطية المخلوق محدودةٌ مشروطة، أما عطية الخالق فواسعةٌ مطلقة. الإنسان قد يُعطي مالًا أو هديةً في حالٍ دون حال، ولا يقدر أن يُعطي الصحّة للمريض، ولا الولد للعقيم، ولا الهداية للضالّ، ولا العافية للمبتلى؛ أما الله الوهاب فيملك كلَّ ذلك. قال الإمام الخطّابي: «...ولا يَستحِقُّ أن يُسمَّى وهَّابًا إلَّا مَن تصرَّفت مواهبُه في أنواعِ العطايا، فكثُرت نوافله ودامت. والمخلوقون إنَّما يَملِكون أن يَهَبوا مالًا أو نَوالًا في حالٍ دون حالٍ، ولا يملِكون أن يَهَبوا شفاءً لِسقيم، ولا ولدًا لِعقيم، ولا هُدًى لضلَالٍ، ولا عافيةً لذي بلاءٍ، واللهُ الوَهَّابُ سبحانه يملِكُ جميعَ ذلك، وَسِعَ الخلقَ جودُه ورحمتُه، فدامت مواهبُه واتَّصلت مِنَنُه وعوائدُه»[5]. ومن الفروق أيضًا أنَّ غالب البشر لا يهبون شيئًا إلا لغرضٍ أو عوض؛ فقد يهبون طلبًا للمدح أو الثناء أو المكافأة، أما ربُّ العالمين فهو غنيٌّ عن الخلق، يعطي بلا مقابل ولا دافع سوى فضله وإحسانه.
الوقفة الثالثة: أعظم المواهب بيده وحده يختص بها من يشاء: إنّ الممالك والأرزاق العظيمة، بل والنبوّة والرسالة، كلّها منحٌ إلهيّةٌ عظيمة لا تُنال إلا بفضل الله الوهاب. وقد أنكر الكفار قديمًا أن يخصَّ اللهُ بعضَ عبادِه بفضلٍ دونهم، كما قالت ثمود عن صالح عليه السلام: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: 25]، وقال كفار قريش عن النبي محمد ﷺ: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا؟﴾ [ص: 8]. فجاء الجواب الرباني بوصفه «الْوَهَّابُ»: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: 9]؛ أي ليس لهم من أمر اختيار المواهب شيء، بل الله يختص برحمته من يشاء. قال الطبري: «العزيز في سلطانه، الوهّاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من مُلكٍ وسلطانٍ ونبوة»[6]. فالله هو الذي وهب داود وسليمان –عليهما السلام– المُلك والحكمة، ووهب لإبراهيم الذرية والنبوة، ووهب لموسى عليه السلام أخاه هارون نبيًّا رحمةً منه. وهكذا فكل نعمة عظمى هي هبةٌ ربانية؛ يخص الله بها من علمَ فيه فضلًا وخيرًا. ولا يبلغها سعيُ الساعي مهما ظن أنه أهلٌ لها إلا بفضل الله وتوفيقه. وقد مدح اللهُ الراسخين في العلم؛ لإقرارهم بهذه الحقيقة وتضرّعهم قائلين: ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: 8]؛ أي هبةً من عندك؛ طلبًا للتوفيق والثبات على الحق الذي هديتنا إليه.
وكما أن الله تفرّد باسم الوهاب ولم يأذن أن يتسمَّى به غيره، فإن عباده لا ينالون شيئًا من مواهبه إلا بما يشاؤه ويريده سبحانه. قال ابن القيم في نونيته موضّحًا سعة مواهب الله لجميع الخلق:
وكذلك الوهَّابُ مِن أسمائه *** فانظُرْ مواهبَه مدى الأزمانِ
أهلُ السماواتِ العُلا والأرضِ عن *** تلك المواهبِ ليس ينفكّانِ[7]
ثالثًا: أثر اسم (الوهاب) في حياة المسلم
- سؤال الله وحده وعدم اليأس من فضله: الإيمان بأن الله هو الوهاب يملأ قلب المؤمن أملاً ورجاءً؛ فلا يقنط من رحمة الله ولو تأخرت حاجته، ويوقن بأن خزائن الله لا تنفد وعطاؤه لا يحدّه شيء. قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»[8] ، يعني يده سبحانه مليئة بالعطاء، والإنفاق الدائم مهما كَثُر لا ينقص ما عنده شيئًا. فليكن هذا الاسم العظيم مفتاحًا للدعاء، فالله يحبّ أن يُسأل من فضله، ويغضب على من لم يسأله يبغضه. وقد أثنى سبحانه على عباده الذين يدعونه بهذا الاسم قائلاً: ﴿إنك أنت الوهاب﴾ [آل عمران: 8]، وتأمّل كيف دعا سليمان عليه السلام ربَّه بهذا الاسم حين طلب ملكًا عظيمًا غير مسبوق: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35]، فاستجاب الله له وأعطاه ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من البشر بعده. فلا تتردد أنت أن تطلب من ربك ما تشاء من خيرَي الدنيا والآخرة، فإنه الوهاب الذي بيده خزائن السماوات والأرض.
- جعل العطاء منهجًا في التعامل مع الناس: مَن عبدَ اللهَ الوهّاب حقَّ العبادة ينبغي أن يتخلَّق بمعاني هذا الاسم على وجه يليق به كإنسان؛ فيكون جوادًا كريمًا يحب البذل والمنح في وجوه الخير. الله تعالى يحبُّ من عبده أن يُحسن كما أحسنَ اللهُ إليه. وقد رُوي في الحديث القدسي الذي رواه الشيخان أن الله تعالى قال: «أَنْفِقْ، أُنْفِقْ عَلَيْكَ»[9]. فمن أنفق من ماله ووقته وجاهه في سبيل الله، عوَّضه الله أضعافًا مضاعفة من فضله. وليس العطاء مقصورًا على المال؛ بل هَبْ مما وهبك الله للناس: إن علمتَ فامنح العلم، وإن أوتيتَ وجاهةً فانفع الناس بجاهك، وإن رزقك الله قوّةً فاستخدمها في عون الضعفاء... وهكذا في كل نعمة تتقلّب فيها، أخرِج نصيبًا منها لله تعالى؛ تكن من أحب الخلق إليه. وقد جاء في الحديث: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»[10]. وتذكَّر دائمًا أن الله الوهّاب قد وعد بالمزيد لكل من ينفق طمعًا فيما عنده، فهو الكريم الذي لا يُضيّع أجر المحسنين.
- اغتنام النعم بالشكر وعدم التكبر بها: من آثار الإيمان باسم الوهاب أن يمتلئ قلب المسلم امتنانًا وشكرًا لله كلما أدرك نعمةً حصل عليها؛ فكل ما لدينا هو هبةٌ من الله وفضل. وهذا يستلزم ألا نستخدم عطايا الله في معصيته أو نكفر بها أو نبطر على الخلق بها. ومن شكرِ العبد لنِعَم الوهاب أن ينسب الفضل إليه سبحانه لا إلى نفسه؛ فلا يغترّ بذكائه أو قوّته أو ماله، بل يعترف قائلاً: "ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، وما بي من نعمة فمن الله وحده". ثم عليه أن يصرف تلك النعم في مرضاة الله تعالى؛ فإن حق النعمة شكرها، وشكرها يكون بالطاعة والبذل والإحسان. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وقال عز وجل: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. فإذا علمتَ أن ربك هو الوهّاب واسع العطاء، اطمأن قلبُك إلى قسمته تعالى فيما أعطاك وما منعك؛ فثِقْ بحكمته وعدله في المنع كما تثق بفضله وجوده في العطاء، تكن أغنى الناس نفسًا وأرضاهم وأعرفهم بربّك.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان البُستي، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1408هـ، 1988م
- اشتقاق أسماء الله، عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق: د. عبد الحسين المبارك، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1406هـ، 1986م
- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
- جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ، 2000م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط1، د.ت
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- شأن الدعاء، أبو سليمان حمد بن محمد البُستي المعروف بالخطابي، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، بيروت: دار الثقافة العربية، ط3، 1412هـ، 1992م
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- متن القصيدة النونية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ط2، 1417هـ
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- لسان العرب لابن منظور 1/ 803
- اشتقاق أسماء الله للزجّاجي 126
- تيسير الكريم الرحمن للسعدي 122، ويُنظَر: النهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 1/ 187-188
- تفسير ابن كثير 74/ 216
- شأن الدعاء للخطّابي 53
- جامع البيان للطبري 21/ 156
- متن القصيدة النونية 210
- صحيح البخاري 6/ 73، 9/ 122، وصحيح مسلم 2/ 691
- صحيح البخاري 6/ 73، 9/ 143، وصحيح مسلم 2/ 690-691
- سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني 2/ 574