الخافض
تجلّي العدل الإلهي في خفض الجبابرة ورفع أوليائه
[أو] الخافض: اسم يوقظ العبودية ويكسر وهم العلوّ الدنيوي
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم "الخافض" مأخوذ من الجذر (خَفَضَ) الذي يعني النزول والخفض، وهو اسم فاعل يُراد به الذي يخفض ويَحُطُّ من عُلوٍّ. قال ابن سِيده وغيره: «الخَفض: ضِدُّ الرّفْع، خَفَضَهُ يَخَفِضُهُ خَفْضًا، فَانْخَفَضَ، وَاخْتَفَضَ»[1]،وذكرت المعجماتُ ونحوُها معنى اسم الله "الخافض" هكذا: «"الخَافِضُ": هُوَ الَّذِي يَخْفِضُ الجبَّارِين والفَرَاعِنة: أَيْ يَضَعُهُم ويُهِينُهم، ويَخْفِضُ كلَّ شَيْءٍ يُرِيدُ خَفْضَهُ»[2]، فالله مُخضِعٌ للظالمين المتكبِرين. وأمَّا اصطلاحًا في العقيدة الإسلامية، فهو اسم من أسمائه تعالى الحسنى يثبت صفة الخفض لله سبحانه من حيث التحقُّق الحقيقي بسلطانه وقدرته. وقد بيّن بعض أهل العلم هذا المعنى بقوله: «فالخافض هو الواضع من الأقدار»[3]، أي أنّ الله تعالى يضع قدر من يشاء. ويُشير اسم الخافض إلى أنه سبحانه هو الذي يَخْفِض من يشاء من خلقه من حيث القدر والهيبة. وبهذا المعنى اختصّ الله جل وعلا بنفسه، فلم يُسمَّ به سواه من حيث هذا المعنى العام المطلق، فالخافض صفة كمال وتحقُّق، لا تليق إلا بجلال الله وعظمته؛ وهي تقتضي حُكمًا وحكمةً لا تدركها قلوب المخلوقين.
فمن الناحية الشرعية، عُدّ اسم الخافض من صفات الله الحسنى، لا ينفك عنها في ذاته ولا في فعله. وقد أشار كثير من العلماء إلى دلالات الخافض والرافع معًا، قال ابن القيم في قصيدته النونية المشهورة:
هو قابضٌ، هو باسطٌ، هو خافِضٌ***هوَ رافِعٌ بالعدْلِ والإحسانِ[4]
قال ابن عثيمين: «قوله: "هو خافض هو رافع": خافض للأشياء رافع لها. وقوله: "بالعدل والميزان": يعني: لا يخفض إلا من يستحقّ الخفض، ولا يرفع إلا من يستحقّ الرفع»[5]
قال السعدي في حكمة الخفض والرفع: «هذه الأمور كلها تبع لعدله، وحكمته، وحمده، فإن له الحكمة في خفض من يخفضه، ويذله، ويحرمه، ولا حجة لأحد على الله، كما له الفضل الخفي على من رفعه وأعطاه ويبسط له الخيرات. فعلى العبد أن يعترف بحكمة الله، كما عليه أن يعترف بفضله ويشكره بلسانه وجنانه وأركانه»[6]، فالاسم يدلُّ على أنّ خفض الله لعباده هو من كمال قدرته وعدله، ويؤكد أن رفعَه لمن يشاء من عباده يأتي بمقتضى العدل والحكمة الإلهيين. فالخافض والرافع اسمان لله تعالى يفيدان قدرته المطلقة -سبحانه- في إنزال المذلّة بمن يعاديه، ورفعِ شأن مَن يواليه. وفي هذا المعنى، يرى الحَليمي أنّه لا يُنادَى الربّ سبحانه في الدعاء بالخافض منفردًا بل يُقرَن بالاسم المقابل: الرافع ، قال: «ولا ينبغي أن يُفرَد الخافضُ عن الرافع في الدعاء كما قلتُ في المانع والمعطي، فالخافضُ هو الواضع من الأقدار، والرافع المُعلي للأقدار»[7].
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: التلازم بين اسمي الخافض والرافع: لا يجتمع اسم «الخافض» إلا مع اسمه المُقابل «الرافع»، فهو وكيل لذاته تعالى في صفتَي الخفض والرفع. وقد بين السلف ذلك فقالوا: «الخافض هو الذي يخفض الجبارين ويذل الفراعنة… والرافع هو الذي يرفع أوليائه وينصرهم على أعدائهم». والمراد هنا أن الله تعالى بيده يخفض من يشاء بقدرته وحكمته، ويرفع من يشاء وفق عدله وإحسانه. وهذا الاختصاص بالثنائي ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ»[8]، وفي الحكمة أنه تعالى لا يترك الأمور إلى الأهواء؛ بل يخفض الظالمين والجائرين عذابًا، ويرفع المؤمنين والعلماء درجاتٍ، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وعلى هذا، فالخافض اسم يدل على الفعل الذاتي لله في وضع القَدْر، في حين أن الرافع يدل على فعل الله في رَفْع من يشاء برحمته وفضله.
الوقفة الثانية: الخافض والرافع: خفض الجبارين ورفع الضعفاء: ورد وصف الخافضة مقرونًا بالرافعة في القرآن الكريم في مشهدٍ من مشاهد القيامة، قال تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 3]. وفسّر ابن كثير هذه الآية بقوله: «أي: تحفض أقواما إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء. وترفع آخرين إلى أعلى عليين، إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء. وهكذا قال الحسن وقتادة، وغيرهما»[9]؛ أي أن يوم القيامة يخفض الله فيه أعداءه –رغم علوهم في الدنيا– إلى قعر العذاب، ويرفع المتواضعين المؤمنين –رغم ضعفهم في الدنيا– إلى عليين. ومن هنا يُفهم سر تلازم الاسمين في هذه الآية.
الوقفة الثالثة: التذلّل لله: حكمة الخفض والرفع: اسم «الخافض» يربط الإنسان بحقيقة العبودية التي تنفي عنه الكبر والغرور. فقد بيّن النبي ﷺ أن من تواضع لله رفعه، فأخبر في الحديث الصحيح: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»[10]. وبناءً على ذلك، يُفسّر أهل العلم اسم الخافض على أنه دعوة للتحلِّي بالتواضع، وتحذير من تكبّر النفس. فالمؤمن الذي يُقِرّ بأن الله هو الذي يضع ويوقع في الهوان، سيتوخّى التواضع في نفسه وفي معاملته مع الناس، فمعنى «الخافض» يقتضي أن يعرف المسلم تمامًا أن له من الفضائل ما يرفع مقامه وسموّه، ومن المآثر ما يذلّه. وعندما يُعمِّق الإيمان بهذه الحقيقة يحذو حذو الرفق واللين في تعاملاته، عارفًا أن المجد الباقي لله وحده.
ثالثًا: أثر اسم (الخافض) في حياة المسلم
- التحلّي بالتواضع والخشوع: تذكُّر أن الله هو الخافض للمتكبرين يدفع المسلم إلى اجتناب الكبر والاغترار بالدنيا والمناصب، والعزم على التواضع. فعن أبي هريرة قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»[11]، وهكذا، يُنشِئ الاسم طمأنينة في قلب المؤمن بأن الله تعالى يرفع المنكسرين بتقواه، ويخفض المتجبرين بعصيانهم. ويكفي أن نفهم أن العظمة لله وحده، فالخاضع له لن يملّ منه، ولن تكون له المذلة، أما من ترفع كِبْرًا فسيبلّغه خفض الله منزلة الهوان.
- الاعتماد على عدل الله وحكمته: يعلم المسلم أن في خفض الله ورفعه حكمة بالغة. فإذا رأى العباد يعلون في الأرض ببلوغهم المال أو المنصب، عليه أن لا يغتر بذلك، بل يتعلّم أن لكل مكروه أو عزٍّ في الدنيا نهاية. وبهذا الاسم تزداد ثقة المسلم في أن الله لا يظلم أحدًا، بل يُنزّل من يشاء، ويُعلي من يشاء بعدل مطلق في المكان والزمان المناسبين.
- الدعاء واللجوء إلى الله: لا بأس أن يدعو المسلم بهذا الاسم في الشدائد والابتلاءات، فيطلب من الخافض خفض الكبرياء في نفسه، والتذلّل للضعفاء. قال تعالى: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110]. فالله تعالى هو الخافض، نستعين به في الاستعانة على تذليل الصعاب، وخفض البأساء والضراء عنا بقوته. وباستحضار اسم الخافض في الدعاء يطمئن القلب إلى أن الله يملك تغيير الأحوال، ومن بركته وعفوه تتبدل الأحوال لمصلحة عباده الصابرين والمتوكلين.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان البُستي، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1408هـ، 1988م
- تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد الزَّبيدي، تحقيق عبد الستار أحمد فرّاج وآخرينَ، الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، 1385ه، 1965 وما بعدها
- تفسير أسماء الله الحسنى، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبيد بن علي العبيد، المدينة المنورة: مجلة الجامعة الإسلامية، العدد: 112، السنة: 33، 1421هـ.
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- شرح القصيدة النونية المسماة: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية للإمام ابن القيّم، محمد بن صالح العثيمين وعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ومحمد خليل هراس، القاهرة: مكتبة الطبري، ط1، 1429هـ، 2008م
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- متن القصيدة النونية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ط2، 1417هـ
- المحكم والمحيط الأعظم، علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ، 2000م
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرينَ، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ، 2001م
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- المنهاج في شعب الإيمان، الحسين بن الحسن بن محمد أبو عبد الله الحَليمي، تحقيق: حلمي محمد فودة، بيروت: دار الفكر، ط1، 1399هـ/1979م
- النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية، ط1، 1399هـ، 1979م
الحواشي
- المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده 5/ 43، ولسان العرب لابن منظور 7/ 145
- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/ 53، ولسان العرب لابن منظور 7/ 145، وتاج العروس للزَّبيديّ 18/ 319
- المنهاج في شعب الإيمان للحَليميّ 1/ 206
- متن القصيدة النونية لابن القيّم 211
- شرح القصيدة النونية للعثيمين والسعدي وهرّاس 3/ 419
- تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي 171
- المنهاج في شعب الإيمان للحَليميّ 1/ 206
- صحيح مسلم 1/ 161
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 7/ 514
- صحيح مسلم 4/ 2001
- صحيح مسلم 4/ 2001