الباسط
ذو السعة الباسطة في الرزق والفضل
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم "الباسط" من أسماء الله الحسنى، وهو صيغة فاعل من الفعل (بسط) تدلّ على الاتّساع والسخاء، قال الفيومي: «وَبَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ: كَثَّرَهُ وَوَسَّعَهُ»[1]، وقال ابن فارس: «(بَسَطَ): الْبَاءُ وَالسِّينُ وَالطَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ امْتِدَادُ الشَّيْءِ... وَيَدُ فُلَانٍ بِسْطٌ: إِذَا كَانَ مِنْفَاقًا، وَالْبَسْطَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: السَّعَةُ»[2]. يُعبّر اسم الله "الباسط" عن سعة فضل الله وعطائه الوفير لعباده من الرزق والخير بلا منٍّ ولا نهاية. فـ"الباسط" يعني الكريم المنّان الذي يُفرِّج سُبلَ الرزق ويرفع البلاء عن عباده برحمته. وقد بيّنت اللغة مفردات هذا المعنى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]، أي أعطاه زيادة وانتشارًا في العلم والجسم. ويُقال بسط الأرض أي مدّها، وباسط اليدين؛ أي واسع البذل والمعروف، مما يُرشد إلى معنى التوسيع والاتساع في العطاء. قال الزُّجّاجيّ: «الباسط:... باسطٌ رزق من أراد من عباده أن يُوسّع عليه، ومقَتّرٌ على من أراد، كما يرى في ذلك من المصلحة لهم»[3]، وأضاف الحَليميّ: «ومعناه: الناشر فضله على عباده، يرزق ويوسع ويجود ويُفضل ويُمكّن ويخوّل ويعطي أكثر ممّا يحتاج إليه»[4]. وقال البيهقيّ: «الْبَاسِطُ: هُوَ الَّذِي يُوَسِّعُ الرِّزْقَ... يَبْسُطُهُ بِجُودِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيَقْبِضُهُ بِحِكْمَتِهِ، وَقِيلَ:... الْبَاسِطُ الَّذِي يَبْسُطُ الْأَرْوَاحَ فِي الْأَجْسَادِ»[5]. كلّ ذلك يدلّ على اتّساع لطف الله وسعة عطائه وغناه. ولهذا يرى أهل العلم أن الله وحده باسط الرزق.
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
- الفرق بين "الباسط" و"القابض": جاء ذكر الصفتين في القرآن لبيان تكاملهما. فالباسط دالّ على الاتساع والعطاء، والقابض دالّ على التضييق وفق الحاجة الإلهية. يوضح ابن كثير هذا المعنى بقوله: «يذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتره على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل»[6]، وهذا يبيّن أنه لا يُظلَم عبدٌ بسعة فضل الله، ولا يَفتقِد أحدٌ بحكمته. فـ"الـباسط" يدلّ على اتساع الرحمة والمِنّة، و"القابض" يدلّ على اكتمال موازين القدرة والعطاء. وإن الغرض الذي فيه الحكمة يغلب عليه حكمة الله المطلقة.
- الحكمة في البسط والقبض: إن توسعة الرزق أو تضييقه كلٌّ منهما في علم الله وحكمته، ولهما أثر حسن في تربية العباد. إذ لو بسط الله الرزق على غير مستحقّ لفسدت الحياة. ولذلك أفاد بعض العلماء ألا يُذكَر اسم (القابض) منفردًا دون (الباسط) لما فيه من كمال الله، قال الحَليميّ: «ولا ينبغي أن يدعى ربنا جل جلالة باسم القابض حتى يقال معه الباسط»[7]. وقال ابن القيّم: «من أسمائه الأسماء المزدوجة: كالمعز المذل والخافض الرافع والقابض الباسط»[8]، وقال أيضًا: «فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد»[9]، وقد ورد في الحديث الصحيح هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ»[10]،فالبسط حكمة واسعة ورزق مطلق بيد البارئ.
- خصوصية الاسم وجلاله: (الباسط) بمعناه العام المطلق من أسماء الله عزّ وجلّ، وهو خاص به، وصفةٌ له، وقد ثبت هذا الاسم له في الحديث الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ الرَّازِقُ... »[11]، وقال ابن القيم في نونيته المشهورة:
هو قابض، هو باسط، هو خافض*** هو رافع، بالعدل والإحسان[12]
ثالثًا: أثر اسم (الباسط) في حياة المسلم
- الأمل والثقة: عندما يعرف المسلم أن الله باسطٌ رزقه، يسكُن قلبه السلام والرجاء. فهو يعلم أن الضيق المؤقت في الرزق إنما هو لأمرٍ من الله، وأن يد البسط ممدودة عليه بالخير. ولذلك حذّره القرآن من القنوط فقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]، فالله باسط يديه بالرَّحْمَة والرزق دائمًا وكلما دعاه العبد. فإذا تشرّب المسلم هذا المعنى تمسّك بقوة ربّه وعظمته، فرفع عينه إلى الفرج والثبات بدلاً من القلق والإحباط.
- السخاء والبذل: يدعو الإيمان بأن الله باسطٌ رزقه إلى الرحابة في العطاء. فقد روى الشيخان قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[13]، ومعناه أنّ من نشر المعروف وسّع الله عليه رزقه. فترى المؤمن الكريم يسخّر ما وسّعه الله عليه في المبرّات، يعين المسكين ويُغيث الملهوف ويعفو عن المسيء. وبذلك يكون في قلبه ارتياح وحلاوة الشكر... والبذل بابٌ للبركة، والصّدقة قنطرة إلى اتّساع الرزق. وكما ورد في الحديث: «مَنْ لَمْ يَرْحَمِ النَّاسَ لَمْ يَرْحَمْهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»[14]، فإنه بذلك يُخسر بركة اسم (الباسط) ويضيّع فضله.
- التوسُّل في الدعاء: يجوز للمؤمن أن يدعو الله باسمه (الباسط) طالبًا زيادة الرزق وتفريج الكرب. فقد أمر الله تعالى أن ندعوه بأسمائه الحسنى كلّها فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110]، وهو ما يتضمن جواز الدعاء بأي اسم من أسماء الله الكريمة. ولذا يجوز للداعي أن يذكر اسم (الباسط) في ضيق الحاجة، مضاعفًا اليقين بوعد الله بالرّزق واليسر. ولعلّ ذكر هذا الاسم في الدعاء يمنح النفس رجاءً لا يَخِيب، ويغرس يقينًا بإجابة رب العباد، ويُنعكس ذلك في حياته بالسكينة والعمل الصالح.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان البُستي، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1408هـ، 1988م
- اشتقاق أسماء الله، عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق: د. عبد الحسين المبارك، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1406هـ، 1986م
- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط1، 1401هـ.
- بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت
- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بيروت: دار المعرفة، ط1، 1398هـ، 1978م
- متن القصيدة النونية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ط2، 1417هـ
- المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ - 1990م
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرينَ، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ، 2001م
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد الفيومي، بيروت: المكتبة العلمية، د. ت
- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس القزويني، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، ط1، 1399هـ، 1979م
- المنهاج في شعب الإيمان، الحسين بن الحسن بن محمد أبو عبد الله الحَليمي، تحقيق: حلمي محمد فودة، بيروت: دار الفكر، ط1، 1399هـ/1979م
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- المصباح المنير للفيومي 58
- مقاييس اللغة لابن فارس 1/ 247
- اشتقاق أسماء الله للزجّاجي 99
- المنهاج في شعب الإيمان للحَليمي 1/ 203
- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد لأبي بكر البيهقي 59، ويُنظَر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي 948، والنهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 3/ 121-127
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 453
- المنهاج في شعب الإيمان للحَليمي 1/ 203
- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر لابن القيّم 219-220
- بدائع الفوائد لابن القيّم 1/ 167
- مسند أحمد بن حنبل 24/ 247، وفي هامشه: « رجاله ثقات»، والمستدرك على الصحيحين للحاكم 3/ 26، وفي هامشه: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ».
- مسند أحمد بن حنبل 20/ 46، وفي هامشه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح»، وصحيح ابن حِبَّان 11/ 307، وفي هامشه: «إسناده صحيح على شرط مسلم».
- متن القصيدة النونية لابن القيّم 211
- صحيح البخاري 8/ 5، وصحيح مسلم 4/ 1982
- مسند أحمد بن حنبل 31/ 501، وفي هامشه: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»،