عنوان الخطبة: تأمّلات في اسم الله الفتّاح: ومَن يفتحُ الأبوابَ إلا الله؟!
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذي بيدهِ مفاتيحُ الأمور، وبقبضتهِ تصريفُ الدّهور، لا يُغلقُ بابًا فتحه، ولا يفتحُ بابًا أوصده، لهُ الخلقُ والأمر، وبيدهِ النفعُ والضر، أحمدهُ سبحانهُ وهو الفتّاحُ العليم، وأشكرهُ وهو الرزّاقُ الكريم، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، شهادةً تفتحُ لقائلها أبوابَ الجِنان، وتُنجيهِ من خزيِ النيران، وأشهدُ أن نبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي فتحَ اللهُ بهِ أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، فهدى بهِ من الضلالة، وعلّم بهِ من الجهالة، صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ مصابيحِ الدجى، وأعلامِ الهدى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ: فيا عبادَ الله، أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ عز وجل، فهي المفتاحُ لكلِّ خير، والنجاةُ من كلِّ ضير، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
أيها المسلمون: إننا نعيشُ في دنيا كثيرةِ الأكدار، مليئةٍ بالأسرار، قد تُغلقُ فيها الأبوابُ في وجوهِ العباد، وتضيقُ بهم السبلُ في البلاد. كم من مهمومٍ أُغلِقَ عليهِ بابُ الفرج! وكم من مديونٍ سُدَّ في وجههِ بابُ الرزق! وكم من طالبٍ للعلمِ استُغلقَ عليهِ الفهم! وكم من مظلومٍ غُيِّبَ عنه النَّصَفُ والحُكم؟
في خضمِّ هذهِ المضائقِ والمغاليق، تتوقُ النفوسُ إلى مخرج، وتهفو القلوبُ إلى فرج، وهُنا يشرقُ في سماءِ العقيدةِ اسمٌ عظيمٌ، وكنزٌ من كنوزِ الأسماءِ الحسنى، يسكبُ في القلبِ السكينة، ويملأُ الروحَ بالطُّمأنينة؛ إنهُ اسمُ اللهِ (الفتّاح). يقولُ ربنا جلَّ في علاه: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 26].
عبادَ الله: إنّ للفتّاحِ في لغةِ العربِ ودينِ اللهِ أسرارًا لا تُحصى، ومعانيَ لا تُستقصى، تدورُ كلُّها حولَ إزالةِ الإشكال، وكشفِ الكروبِ والأهوال، والفصلِ بينَ الناسِ في المآل.
فالمعنى الأول: الفتّاحُ هو الحاكمُ القاضي: إذا اختلطتِ الأمور، وضاعتِ الحقوق، وكثُرتِ الشكوك، فاللهُ هو الفتّاحُ الذي يقضي بينَ عبادهِ بالحق، ويفصلُ بين الخصومِ بالعدل. كان العربُ يقولونَ للقاضي "فاتحًا"، ويقولُ أحدهم لصاحبه: "تعالَ أُفاتِحْك" أي أُقاضِيك. فيا من ظُلِمتَ في مالك، أو قُهِرتَ في عيالك، أو نِيلَ من عِرضِك، اعلم أن لك ربًّا فتّاحًا، لا يغيبُ عن علمهِ مثقالُ ذرة، سيفتحُ بينك وبين ظالمك، ويحكمُ بالحقِّ ولن يُخلفَ وعده. لقد دعا الأنبياءُ بهذا الاسمِ حينَ اشتدَّ بهم البلاء، وتكالبَ عليهم الأعداء؛ فهذا نوحٌ عليه السلام ينادي ربه: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذا شعيبٌ عليه السلام يقول: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. إنه فتحُ الحكمِ والفصل، يومَ يخيبُ الظالمون، ويفوزُ المتقون، فلا تطلبِ الحكمَ إلا من اللهِ وشرعه، ولا ترضَ بحكمِ غيره، فحكمُه الفصل، وقولُه العدل.
والمعنى الثاني للفتّاح: هو الذي يفتحُ أبوابَ الرزقِ والرحمة: تأملوا -يا رعاكم الله- قولَ العليمِ الخبير: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: 2]. الفتّاحُ سبحانه هو الذي بيدهِ مغاليقُ الأمور ومفاتيحُها، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. إذا فتحَ اللهُ لك بابًا من الرحمة، فلا يملكُ أهلُ الأرضِ كلهم، بجنِّهم وإنسِهم، وسلاطينِهم وجيوشِهم، أن يغلقوه. وإذا أمسك عنك رحمةً، فلا يملكُ أحدٌ أن يرسلها إليك. كم من عبدٍ كان الفقرُ يطارده، والأبوابُ تُسَدُّ في وجهه، فلجأَ إلى الفتّاحِ بصدق، ففتحَ له من حيثُ لا يحتسب، وفجّرَ لهُ ينابيعَ الرزقِ والخير! وكم من مكروبٍ ضاقت عليه الأرضُ بما رحبت، فنادى "يا فتّاح"، فانزاحَ عنه الغم، وانكشفَ الهم، وتبدّلَ عسرُه يسرًا، وخوفُه أمنًا! إنه الفتّاحُ الذي يفتحُ للأجنةِ في ظلماتِ الأرحامِ مسالكِ الغذاء، ويفتحُ للطيرِ في جوِّ السماءِ سُبلَ الهواء، ويفتحُ للعقولِ المغلقةِ أبوابَ الفهمِ والذكاء.
والمعنى الثالث: الفتّاحُ هو الناصرُ المـُعين: إن الفتحَ في القرآنِ يأتي مقرونًا بالنصر، ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾، أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. فيا من استبطأتَ نصرَ اللهِ للأمة، ويا من طالَ عليك ليلُ الظلمة، لا تيأس فإن اللهَ فتّاحٌ عليم. قد يُغلقُ البابَ لِحكمة، ويفتحُه لرحمة. قد يتأخرُ الفتحُ ليُمحَّصَ المؤمنون، وليتميزَ الصادقون، ولكنَّ فتحَ اللهِ آتٍ لا محالة. ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. المؤمنُ الموقنُ باسمِ "الفتّاح" لا يعرفُ اليأسُ إلى قلبهِ سبيلًا، ولا القنوطُ إلى روحهِ طريقًا. إذا رأى الأبوابَ موصدة، تذكّرَ مسببَ الأسباب، وربَّ الأرباب، الذي يقولُ للشيءِ كُن فيكون.
عباد الله: إن الإيمانَ بهذا الاسمِ يورثُ في القلبِ التوكلَ والرجاء. فمن عرفَ أن اللهَ هو الفتّاح، انقطعَ رجاؤه من الخلق، وتعلّقَ بالخالقِ الحق. أيقنَ أن الذكاءَ وحده لا يجلبُ الرزق، وأن القوةَ وحدها لا تحققُ النصر، وأن السعيَ وحده لا يضمنُ النجاح، ما لم يأذنِ الفتّاح. فعلِّقوا قلوبكم بالله، واطرحوا حاجاتكم ببابِه، وقفوا على أعتابِه، سائلينَ متذللين، قائلين: يا فتّاحُ افتح لنا، ويا عليمُ يسِّر أمرنا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ الذي بنعمتهِ تتمُّ الصالحات، وبالعملِ بطاعتهِ تطيبُ الحياة، وتنزلُ البركات، وتُشرَحُ الصدور، وتُغفَرُ الزلات، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ، فيا عبادَ الله: اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، وراقبوهُ في السرِّ والنجوى. واعلموا أن للإيمانِ باسمِ اللهِ "الفتّاح" ثمراتٍ عمليةً، وآثارًا سلوكية، ينبغي للمسلمِ أن يتحلى بها:
أولًا: كن مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر. إن العبدَ إذا أرادَ أن يفتحَ اللهُ عليه، فليكن سببًا في الفتحِ على عبادِ الله. يقولُ النبيُّ ﷺ في الحديثِ الذي رواه ابنُ ماجه وحسنهُ الألباني: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ... فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ». فكن -يا عبد الله- مفتاحًا للخير؛ إذا رأيتَ مكروبًا فاسعَ في تفريجِ كربته، وإذا وجدتَ بابًا للصلحِ مغلقًا بين متخاصمينِ فاسعَ لفتحه، وإذا رأيتَ معسرًا فيسر عليه. ففي صحيحِ مسلمٍ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». وكما تدينُ تدان، فمن فتحَ للناسِ أبوابَ المعروف، فتحَ اللهُ لهُ أبوابَ الرحمةِ واللطف، ومن أغلقَ أبوابَ الخيرِ دونَ الخلق، حُرمَ من فضلِ الفتّاحِ الرزّاق.
ثانيًا: الزم دعاءَ "الفتّاح" والتجئ إليه. لقد كان نبيكم ﷺ كثيرَ التعلقِ بربه، يسألهُ الفتحَ في كلِّ أمر. كان إذا دخلَ المسجدَ قال كما ورد في صحيح مسلم: «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وكان يستفتحُ صلاته بالدعاء طلبًا للهدايةِ للحق. فإذا استعصى عليك أمرٌ، أو أُغلقَ في وجهكَ مطلب، فاهرع إلى الصلاة، وارفع كفيكَ إلى السماء، وقل بقلبٍ خاشع: "يا فتّاح، افتح لي أبوابَ فضلك، واكفني بحلالك عن حرامك". لا تعجل في طلبِ الإجابة، ولا تضجر من تأخرِ الفتح، فاللهُ يعلمُ وأنت لا تعلم، ولعلَّ ما تأخرَ عنك هو ذخيرتُك، أو دفعٌ لشرٍّ عنك، ﴿يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ﴾.
ثالثًا: اليقينُ بأن الفتحَ آتٍ مع الصبر. اعلموا أن النصرَ مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكرب، وأن مع العسرِ يسرًا. فالفتّاحُ لا ينسى عبادَه، ولكنهُ يبتليهم ليمحصَ ما في صدورهم. فإذا اشتدتِ الحُلَك، فانتظرِ الفجرَ، وإذا ضاقتِ الحلقاتُ، فترقّبِ الفرجَ من ربِّ الأرضِ والسماوات.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحبِ الوجهِ الأنور، والجبينِ الأزهر، وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم يا فتّاح يا عليم، يا ذا الفضلِ العظيم: اللهم افتح لنا أبوابَ رحمتك، وافتح لنا أبوابَ رزقك، وافتح لنا أبوابَ مغفرتك. اللهم افتح لنا في ديننا فقهًا، وفي دنيانا رزقًا، وفي آخرتنا عتقًا. اللهم يا من يملكُ مفاتيحَ الغيب، افتح على قلوبنا بالهدايةِ واليقين، وافتح على بصائرنا بنورِ الحقِ المبين. اللهم اقضِ بيننا وبين القومِ الظالمين بالحق، وأنت خيرُ الفاتحين. اللهم فرّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفّس كربَ المكروبين، واقضِ الدّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم اجعلنا مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر، ولا تجعلنا فتنةً للقومِ الظالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا...اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمهِ يزدكم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
أقم الصلاة.