السَّلامُ
السَّالمُ من العيوبِ ومُسلِّمُ الخلقِ من الآفات
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم الله "السَّلام" اسمٌ جليلٌ يحمل في طيّاته معاني الطهارة، والنقاء، والكمال المطلق، واشتقاقه اللغوي يدور حول السلامة والبراءة من كل سوء. وقد تنوعت عبارات أهل اللغة في بيان أصل هذا الاسم، لكنها تصب في مصب واحد هو الخلو من العيوب. قال ابن سيده: «السَّلامُ والسَّلامَةُ: البَرَاءَةُ. وتَسَلَّمَ منْهُ: تَبَرَّأَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، مَعْنَاهُ: تَسَلُّمًا وَبَرَاءَةً، لَا خَيْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ولا شر»[1]، وقال ابن الأثير في بيان هذا الأصل اللغوي: «والسَّلَامُ فِي الأصْل: السَّلَامَةُ؛ يُقَالُ سَلِمَ يَسْلَمُ سَلَامَةً وسَلَامًا. وَمِنْهُ قِيلَ للجنَّة دارُ السَّلامِ؛ لِأَنَّهَا دارُ السَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ»[2]. فالاسم في لغة العرب يدل على التعرّي عن الآفات، والخلوص من الشوائب، وهو مصدر وُصف به للمبالغة، أو بمعنى ذي السلامة.
أما في الاصطلاح الشرعي وعند إطلاقه على الله جل جلاله، فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن "السَّلام" اسم من أسماء الله الحسنى، يدل على تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقد ورد هذا الاسم الصريح في القرآن الكريم في موضع واحد في سياق سرد الأسماء الحسنى في خواتيم سورة الحشر، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: 23].
وقد تعددت عبارات المفسرين والعلماء في بيان المعنى الشرعي الدقيق لهذا الاسم، وكلها تدور حول دلالات التنزيه والكمال: قال ابن كثير في تفسيره: «السَّلام: أي من جميع العيوب والنقائص؛ بكماله في ذاته وصفاته وأفعاله»[3]، وقال البيهقي مبينًا استحقاق الله لهذا الوصف ذاتيًّا: «السَّلام هو الذي سَلِمَ من كلّ عيب، وبَرِئ من كل آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته، وقيل هو الذي سلم المؤمنون من عقوبته»[4]، وأشار القرطبي إلى شمولية هذا الاسم للذات والفعل معًا، ناقلًا اتفاق العلماء على أصل المعنى، حيث قال نقلًا عن ابن العربيّ: «اتفق العلماء رحمة الله عليهم على أن معنى قولنا في اسم الله (السَّلام) النسبة، تقديره: ذو السلامة، ثم اختلفوا في ترجمة النسبة، على ثلاثة أقوال: الأول معناه: الذي سَلِمَ من كل عيب وبَرِئ من كل نقص، الثاني: معناه: ذو السلام؛ أي المسلِّم على عباده في الجنة، كما قال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58]، الثالث معناه: الذي سلِم الخلق من ظلمه، وهذا قول الخطّابي، وعليه وعلى الذي قبله يكون صفة فعل، وعلى أنه البريء من العيوب والنقائص يكون صفة ذات، وقيل: السلام معناه: المسلِّم لعباده»[5]. فالله سبحانه هو السَّلام الذي سلمت ذاته من العدم والفناء، وسلمت صفاته من المشابهة والنقص، وسلمت أفعاله من العبث والظلم، وهو مصدر السلامة لعباده في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: كمال التنزيه في الذات والصفات: إن اسم "السَّلام" يقتضي تنزيه الله تعالى عن كل ما يضاد كماله المطلق. فحياته جلّ وعلا "سلام" من الموت والسِّنَة والنوم، وقدرته "سلام" من اللغوب والإعياء، وعلمه "سلام" من الجهل والنسيان. وهذا التنزيه ليس مجرد نفي للنقص، بل هو إثبات لكمال الضد. وقد عبر ابن القيم عن هذا المعنى الدقيق في نونيته قائلًا:
وَهُوَ السَّلامُ عَلَى الحَقَيقةِ سَالمٌ***مِنْ كُلِّ تَمثيلٍ ومِنْ نُقصَانِ[6]
فالله تعالى هو السَّلام في ذاته؛ إذ لا يلحقه فناء، والسَّلام في صفاته إذ لا يلحقها عيب، والسَّلام في أفعاله إذ لا يلحقها شَين أو ظلم، وكل سلامة في الوجود فهي مستمدة منه سبحانه وتعالى، فهو أحقّ بهذا الوصف من كل ما سواه.
الوقفة الثانية: السلامة من الظلم والجَوْرِ في أفعاله: من أسرار هذا الاسم العظيم أن الله تعالى "سلام" في أحكامه وقضائه، فلا يظلم أحدًا، ولا يضع الأشياء في غير مواضعها. فكما سلمت ذاته من النقائص، سلمت أفعاله وأحكامه من الجَوْر، وسلِمت شريعته من التناقض والعبث. وقد أشار الخطابي فيما نقل عنه القرطبي كما ذكرنا آنفًا إلى هذا المعنى المتعلق بالأفعال بقوله: «(السَّلام) معناه: الذي سلم الخلق من ظلمه»، فالمؤمن يوقن أن ربه "سلام"، فيطمئن لقضائه وقدره، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن أفعال الله دائرة بين العدل والفضل، خالية من الظلم والعبث، وهذا يورث في القلب سكينة ورضًا بالله ربًّا ومدبرًا.
الوقفة الثالثة: الله مصدر السلامة والأمن لخلقه: إن الله تعالى هو واهب السلامة، فمنه يُطلَب الأمنُ، وبه يُستعاذ من الخوف. هو الذي يسلّم عباده المؤمنين من المهالك، ويسلّمهم يوم القيامة من الفزع الأكبر. وقد سمّى الله الجنة "دار السلام"؛ لأنها الدار التي يَسْلَم أهلها من الآفات والأحزان والموت، والله هو الذي يدعوهم إليها. بل إن الله تعالى يسلم على أوليائه في الجنة، ويسلم على أنبيائه ورسله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 79]، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 109]. وهذا السلام منه سبحانه هو أمان لهم من كل مخوف، وتأكيد أن السلامة الحقيقية لا تُنال إلا منه.
الوقفة الرابعة: أدب التعامل مع اسم الله "السَّلام": من عظمة هذا الاسم، أن النبي ﷺ علّم أمته أدبًا رفيعًا في التعامل معه، حيث نهى أن يُقال "السلام على الله"، لأن الله هو مصدر السلام، وهو الغني عن دعاء الخلق له بالسلامة، ففي الحديث الصحيح المتفق عليه عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَقُولُ: السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ...»[7]. وقد شرح العلماء هذا المعنى موضحين العلة في النهي، إذ جاء في فتح الباري: «قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَ التَّسْلِيمَ عَلَى اللَّهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَكْسُ مَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ، فَإِنَّ كُلَّ سَلَامٍ وَرَحْمَةٍ لَهُ وَمِنْهُ، وَهُوَ مَالِكُهَا وَمُعْطِيهَا»[8]. فالله تعالى هو المُسَلِّم على عباده، والواهب لهم السلامة، ولا يجوز أن يُدعَى له بالسلامة كما يُدعَى للمخلوقين، لأن السلامة صفة ذاتية له لا تفتقر إلى غيره.
ثالثًا: أثر اسم (السَّلام) في حياة المسلم
- إفشاء السلام ونشر المحبة: إن التعبّد لله باسمه "السَّلام" يقتضي من المسلم أن يكون ناشرًا للسلام والأمان فيمن حوله. وقد جعل النبي ﷺ إفشاء السلام طريقًا إلى المحبة، ومن ثَمّ طريقًا إلى الجنة. قال النووي معلّقًا على حديث «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[9]: «وَفِيهِ الحَثُّ الْعَظِيمُ عَلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ وَبَذْلِهِ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ؛ مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ... وَالسَّلَامُ أَوَّلُ أَسْبَابِ التَّأَلُّفِ، وَمِفْتَاحُ اسْتِجْلَابِ الْمَوَدَّةِ»[10]، فالمسلم "سلام" على من حوله، يَسْلَم الناس من لسانه ويده، ويَسعى في نشر الطُّمأنينة، مقتديًا بربّه "السَّلام" الذي يُحبّ السلام ويرضاه لعباده تحية وشعارًا.
- الالتجاء إلى الله "السَّلام" في طلب العافية: حين يُوقِن العبد أن الله هو "السَّلام" ومنه "السَّلام"، فإنه يُهْرَع إليه في كل كَرْب، ويسأله السلامة في دينه ودنياه. ولهذا كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»[11]، ففي هذا الدعاء إقرار بأن السلامة من النقائص والآفات والذنوب لا تُطلَب إلا منه سبحانه، فهو المالك لها والواهب إياها.
- تطهير القلب من أمراضه وسلامة الصدر: إن حظّ العبد من اسم "السَّلام" أن يسعى ليكون سليمَ القلب من الغِلّ والحِقد والحسد، سليمَ العقيدة من الشرك والبدع. فالله "السَّلام" لا يقبل إلا من أتاه بقلب سليم، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]. والقلب السليم هو الذي سَلِم من الشبهات والشهوات، وسلَّم للخبر تصديقًا وللأمر انقيادًا. فكلما كان العبد أكثر تعظيمًا لاسم ربه "السَّلام"، كان أحرص على سلامة باطنه وظاهره ليلقى ربه وهو عنه راضٍ.
- السعي لدخول دار السلام: بما أن الله هو "السَّلام"، وجنته هي "دار السلام"، فإن المؤمن يجعل غايته الوصول إلى تلك الدار التي سَلِمت من كل آفة، والتي حيّا الله أهلها بالسلام. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]. فالمسلم يعمل في دنياه من الصالحات ما يؤهِّله لسماع تسليم الربّ الرحيم عليه في دار الكرامة، حيث السلامة الأبدية التي لا كدر فيها ولا نصب.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط1، 1401هـ
- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ، 1964م
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب ومحمد فؤاد عبد الباقي بيروت: دار المعرفة، 1379هـ، (عليه تعليقات العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز).
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- متن القصيدة النونية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ط2، 1417هـ
- المحكم والمحيط الأعظم، علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ، 2000م
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، يحيى بن شرف النووي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392هـ
- النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية، ط1، 1399هـ، 1979م
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- المُحْكَم لابن سِيده 8/ 512، ومثله في لسان العرب 12/ 289
- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/ 392
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/ 80
- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد لأبي بكر البيهقي 59، ويُنظَر: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد الحمود النجدي 116
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 46
- متن القصيدة النونية لابن القيم 200
- صحيح البخاري 9/ 116، وصحيح مسلم 1/ 301، واللفظ للأوّل.
- فتح الباري لابن حجر العسقلاني 2/ 312
- صحيح مسلم 1/ 74
- المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي 2/ 36
- صحيح مسلم 1/ 414