عنوان الخطبة: في رحاب اسم الله "الرحمن"
الحمدُ للهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، البَرِّ الكَريم، ذي الفَضلِ العَميم، والخيرِ المُقيم. الحمدُ للهِ الذي وَسِعَتْ رحمتُهُ كلَّ شيء، وعمَّتْ نعمتُهُ كلَّ حيّ. أحمدُهُ سبحانَهُ على آلائِه المتواتِرة، وأشكرُهُ على نعمائِهِ المتكاثِرة، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، شهادةً تملأُ القلوبَ رجاءً ويقينًا، وتُثمِرُ للموحِّدينَ فوزًا وتمكينًا. وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، المبعوثُ رحمةً للعالمين، وحُجَّةً على الخلائقِ أجمعين، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه، وعلى آلِهِ الطيبينَ الطاهرين، وعلى صحابتِهِ الغُرِّ الميامين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
أما بعدُ، فيا عبادَ الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ، فهي العُدَّةُ عندَ الشدائد، والذخيرةُ ليومِ المَعاد، فمَنِ اتَّقى اللهَ وقاه، ومَنْ توكَّلَ عليهِ كفاه، ومَنْ لاذَ بحماهُ حماهُ وآواه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
أيُّها المؤمنون، يا أتباعَ سيّدِ المرسلين:
حديثُنا اليومَ عن اسمٍ ترتاحُ لهُ الأرواح، وتَسكُنُ بذِكرِه الجراح، وتَنشَرِحُ لهُ الصدورُ انشراحًا، وتزدادُ بهِ القلوبُ أفراحًا. حديثُنا عن اسمٍ افتتحَ اللهُ بهِ أمَّ الكتاب، وجعلَه عنوانًا لرسالتِهِ إلى أولي الألباب، وقرنَهُ باسمِهِ الأعظمِ في مُحكَمِ الخطاب، فقالَ في مطلعِ كلِّ سورةٍ وتنزيل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
إنَّهُ اسمُ "الرَّحمن"، و"الرحمن" هو ذو الرحمةِ الواسعةِ التي وسِعَتْ كلَّ شيء. هذا الاسمُ العظيمُ، الذي خصَّ اللهُ بهِ نفسَهُ العليَّة، وحماهُ من أن يتسمَّى بهِ أحدٌ من البريَّة. فلا يجوزُ لمخلوقٍ كائنًا مَنْ كانَ أنْ يُدعَى "الرحمن"؛ فهو علَمٌ على الذاتِ الإلهية، وصِفةٌ دالَّةٌ على الكمالاتِ الربانية. ولقد رامَ الكذّابُ "مسيلمةُ" في اليمامةِ أن يسطوَ على هذا الاسمِ الجليل، فتسمَّى بهِ بغيرِ دليل، فألبسَه اللهُ ثوبَ الصَّغارِ والذلِّ الوبيل، وباتَ لا يُذكرُ عبرَ الزمانِ إلا وقيل: "الكذَّاب"، جزاءً وفاقًا لمن نازعَ ربَّ الأرباب.
أيُّها المسلمون:
إنَّ "الرحمنَ" في لغةِ العربِ مشتقٌّ من الرَّحمة، ومبناهُ على وزنِ "فَعْلان"، وهو بناءٌ يدلُّ على الامتلاءِ والسَّعةِ والفيضان. فاللهُ هو الرحمنُ الذي امتلأَ رحمةً وعطفًا وحنانًا، وعمَّتْ رحمتُهُ الإنسَ والجانَّ، والبَرَّ والفاجرَ، والمؤمنَ والكافرَ، في هذهِ الدارِ الفانية.
وهو اسمٌ عربيٌ أصيل، لا كما زعمَ الزاعمونَ من أهلِ التأويل، فهو مشتقٌّ من الرحمةِ كما دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ الصحيحةُ واللغةُ الفصيحة. وعندَ أهلِ السنةِ والجماعةِ، نؤمنُ بأنَّ "الرحمنَ" اسمٌ دالٌّ على إثباتِ صفةِ الرحمةِ للهِ تعالى، إثباتًا حقيقيًّا يليقُ بجلالِه، وكمالِ جمالِه، من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيل. رحمةٌ منزَّهةٌ عن الضَّعفِ والنقصان، وعن رِقَّةِ القلوبِ التي تعتري الإنسان، بل هي صفةُ كمالٍ تليقُ بالمَلِكِ الدَّيَّان.
وقد يسألُ سائلٌ، أو يجولُ في خاطرِ متأمِّل: ما السرُّ في الجمعِ بين "الرحمن" و"الرحيم" في قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؟
والجوابُ -يا رعاكم الله- يكمنُ في دقةِ المعنى وبلاغةِ المبنى؛ فاسمُ "الرحمن" دالٌّ على الصفةِ القائمةِ بذاتِ اللهِ أزلًا وأبدًا، فهي صفةٌ لازمةٌ له لا تنفكُّ عنه. أما "الرحيم" فهو دالٌّ على تعلُّقِ هذهِ الرحمةِ بالمرحومين، ووصولِ أثرِها إلى الخلقِ أجمعين.
قالَ المحقّقون من أهلِ العلم، كابنِ القيمِ وغيرِه: "الرحمنُ" دالٌّ على الصفة، و"الرحيمُ" دالٌّ على الفعل. فالأولُ يدلُّ على أنَّ الرحمةَ صفتُه، والثاني يدلُّ على أنَّه يرحمُ خلقَه برحمتِه. ولهذا جاءَ في القرآنِ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}، ولم يقلْ قطُّ: "رَحْمَانًا بهم"؛ فعُلِمَ أنَّ الرحمنَ هو الموصوفُ بالسَّعةِ والامتلاء، والرحيمَ هو الموصِلُ للرحمةِ إلى الأولياء.
عبادَ الله:
ومن عجائبِ الأسرار، ولطائفِ الأنوارِ في كتابِ العزيزِ الغفَّار، اقترانُ اسمِ "الرحمن" بصفةِ الاستواءِ على العرش. تأمَّلوا قولَه سبحانَه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وقولَه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ}.
أتدرونَ ما السرُّ في ذلك؟َ اللهُ أعلمُ بمرادِه، ولكنَّ العلماءَ استنبطوا حكمةً باهرة؛ فالعرشُ هو سقفُ المخلوقاتِ وأعظمُها وأوسعُها، فناسبَ أن يُقرَنَ بهِ الاسمُ الذي دلَّ على أوسعِ الصفاتِ، وهي "الرحمة". فكما أنَّ العرشَ وسِعَ المخلوقاتِ كونيًّا ومكانًا، فإنَّ رحمةَ اللهِ وسِعَتِ المخلوقاتِ جميعًا عنايةً وإحسانًا. فاستوى اللهُ على أوسعِ المخلوقاتِ (العرش) بأوسعِ الصفاتِ (الرحمة)، فما أعظمَهُ من ربّ، وما أوسعَها من رحمة!
وإنَّ من أعظمِ البُشْرَيَات، التي تُذهِبُ الهمومَ والحسرات، أنَّ رحمةَ "الرحمن" تغلبُ غضبَه وتسبِقُه. أخرجَ البخاريُّ في صحيحِه عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي».
اللهُ أكبر! ما ألطفَ هذا النداء، وما أحوجَنا إليهِ في السرّاءِ والضراء. إنَّ الأصلَ في معاملةِ اللهِ لعبادِه هو الرحمةُ واللُّطف، والعقوبةُ لا تكونُ إلا لسببٍ عارضٍ اقتضتْهُ الحكمةُ والعدل.
فيا مَنْ أثقلتْهُ الذنوب، وتوالتْ عليهِ الخطوب، ويئِسَ من توبةِ علّامِ الغيوب: لا تقنطْ، فإنَّ ربَّكَ هو "الرحمن". يا مَنْ ضاقتْ عليهِ الأرزاق، وانسدَّتْ في وجهِهِ الآفاق: عُدْ إلى مولاكَ، فهو "الرحمن".
إنَّ استشعارَ هذا الاسمِ يفتحُ أبوابَ الرجاء، ويطردُ اليأسَ والقنوطَ من القلوبِ والأحشاء. قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمْدًا كثيرًا طيِّبًا مُباركًا فيهِ كما يُحِبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، لهُ الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العُلى، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، إمامُ المتقين، وخاتمُ النبيين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِه والتابعين، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فيا عبادَ الله، اتقوا اللهَ وراقبوه، واعرفوا لاسمِ "الرحمن" حقَّهُ وقدّروه.
إنَّ للإيمانِ بهذا الاسمِ آثارًا إيجابيةً عظيمةً في حياةِ المسلم، تَظهرُ في سلوكِه، وتنعكسُ على خُلُقِه، من هذه الآثار:
أولًا: بثُّ روحِ الأملِ والرجاء: حينَ يعلمُ العبدُ أنَّ من أسماء ربِّهِ "الرحمن"، يمتلئُ قلبُهُ طمأنينةً وسكينة، ويعلمُ يقينًا أنَّ ما يُصيبُهُ من أقدارٍ مؤلمةٍ، إنَّما هي رحمةٌ خفيَّةٌ من لدنْ حكيمٍ خبير. فالمريضُ في مرضِه، والفقيرُ في فقرِه، والمحزونُ في حزنِه، كلُّهم يتقلَّبونَ في رحمةِ اللهِ وإنْ خفيتْ عليهم حكمتُها. رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ قولُه: "الرحمنُ إذا سُئِلَ أعطى، والرحيمُ إذا لم يُسألْ غَضِب". فلا تيأسوا من رَوْحِ الله، ولا تقنطوا من رحمةِ الله.
ثانيًا: التخلُّقُ بخُلقِ الرحمة: مَنْ عَبَدَ "الرحمنَ"، لزمَ أن يكونَ رحيمًا بعبادِ الله. يرحمُ الضعيفَ، ويُغيثُ الملهوفَ، ويعفو عنِ المُسيء. كيفَ ترجو رحمةَ "الرحمن" وأنتَ قاسي القلبِ على خَلْقِه؟ كيفَ تطلبُ العفوَ وأنتَ لا تعفو؟
اسمعوا لقولِ المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». وعن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّه: «أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» رواه الترمذي وقال: "حديث صحيح".. فصِلُوا أرحامَكم، وارحموا ضعفاءَكم، وتراحموا بينكم؛ تنالوا رحمةَ ربِّكم.
ثالثًا: اللَّهَجُ بهِ في الدُّعاء: إنَّ اسمَ "الرحمن" مفتاحٌ لإجابةِ الدعاء، وكشفِ البلاء، ولاسيّما في الشدائدِ والملمَّات. وقد سوَّى اللهُ بينَه وبينَ اسمِ الجلالةِ "الله" في الدعاء، فقال: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}.
فأكثِروا من دعاءِ اللهِ بهذا الاسم، وقولوا: «يَا رَحْمَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا». توسَّلوا بهِ إلى اللهِ ليُغنيَكم برحمةٍ من عندِه عن رحمةِ مَنْ سواهُ.
عباد الله:
ألا وصلُّوا وسلِّموا على الرَّحمةِ المُهداة، والنعمةِ المُسداة، محمدِ بنِ عبدِ الله، كما أمرَكم اللهُ في كتابِه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وزِدْ وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين.
اللهمَّ يا رحمنُ يا رحيم، يا ذا العرشِ المجيد، يا فعَّالًا لما يريد.
اللهمَّ إنَّا نسألُكَ باسمِكَ "الرحمن" أنْ ترحمَ ضعفَنا، وتَجْبُرَ كسرَنا، وتتولى أمرَنا.
اللهمَّ وسِعْتَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، فاغفرْ للذينَ تابوا واتبعوا سبيلَك، وقِهم عذابَ الجحيم.
اللهمَّ اسقِ قلوبَنا من فيضِ رحمتِك، وأمطرْ علينا سحائبَ مغفرتِك.
اللهمَّ فرِّجْ همَّ المهمومينَ من المسلمين، ونفِّسْ كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْنَ عنِ المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين.
اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، وأدِمْ علينا نعمةَ الأمنِ والأمانِ والإيمان.
اللهمَّ اغفرْ للمؤمنينَ والمؤمنات، والمسلمينَ والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات.
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
عبادَ الله:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروهُ على نِعَمِهِ يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
أقم الصّلاة.