عنوان الخطبة: في رحاب اسم الله "الباسط"
بين سعة العطاء وحكمة القضاء
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله الذي تفرّد بالجلال والجمال، وتنزه عن الشبيه والمثال، يغدو على العباد بالنوال، ويصرف عنهم صنوف الوبال. الحمد لله "القابض الباسط"، الذي يبسط الرزق لمن يشاء بجوده، ويقبضه عمن يشاء بعدله، وله في كلتيهما حكمةٌ بالغة، ونعمةٌ سابغة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي -عباد الله- بتقوى الله؛ فهي الزاد ليوم المعاد، وهي الحصن الحصين من مضلات الفتن، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
معاشر المسلمين: إننا نعيش في ظلال أسماء الله الحسنى، نرتع في رياضها، ونقتبس من أنوارها، فبها تحيا القلوب، وتُغفر الذنوب، وتُكشف الكروب. واسم ربنا الذي نقف ببابه اليوم، ونلوذ بجنابه، هو اسم يفتح الآفاق، ويبعث في النفس الأشواق، إنه اسم الله (الباسط) جلّ جلالُه، وعمّ نواله.
عباد الله: إنّ هذا الاسم العظيم الذي هو مفتاح الرجا، وسراج الدجى، صيغةُ "فاعل" من مادة "بَسَطَ" التي تدل على السعة والامتداد، والكثرة والازدياد. فالباسط هو الذي يوسّع الأرزاق، ويبسط النفوس، وينشر فضله على جميع المخلوقات.
لقد وقف أهل اللغة والعلم عند هذا الاسم وقفة المتأمل، فقالوا في معناه قولًا يشفي العليل، ويروي الغليل. فهذا الفيومي -رحمه الله- يقول: "وبسَط اللهُ الرزقَ: أي كثّره ووسّعه". ويؤصل ابن فارس لهذا المعنى فيقول: "الباء والسين والطاء أصل واحد، وهو امتداد الشيء... والبسطة في كل شيء: السّعة".
فانظروا -رحمكم الله- إلى جلال هذا المعنى؛ فربكم "الباسط" هو الكريم المنان، الذي يفرّج سبل الرزق بلا حسبان، ويرفع البلاء عن عباده بالرحمة والإحسان. ألم تسمعوا قول الحق تبارك وتعالى في وصف طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]؟ أي أعطاه زيادةً وانتشارًا، وقوةً واقتدارًا.
فالباسط سبحانه؛ باسط اليدين بالعطايا، واسع البذل في البرايا، يبسط الأرض ويمدها، ويبسط الأرواح في الأجساد ويودعها. قال الحَليمي -رحمه الله- في بيان هذا الفضل العميم: "ومعناه: الناشر فضله على عباده، يرزق ويوسع، ويجود ويفضل، ويمكّن ويخوّل، ويعطي أكثر مما يحتاج إليه". الله أكبر! يعطي فوق الحاجة، ويزيد فوق الكفاية، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
أيها المسلمون: إن اسم "الباسط" لا يكتمل فهمه، ولا يروق حسنه، إلا بقرنه باسم "القابض". فهما اسمان كريمان، صفتان متلازمتان، كالليل والنهار، والضياء والأنوار. يقول الحق سبحانه: ﴿وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245]. إن في اقتران "القابض" بـ"الباسط" سرًّا من أسرار التوحيد، ودلالةً على كمال التصرف والتدبير. فالبسط دال على الاتساع والرحمة، والقبض دال على التضييق والحكمة. يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "يذكر تعالى أنه هو الذي يوسّع الرزق على من يشاء، ويقتّره على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل". فليس البسط مجرد عطاء، ولا القبض مجرد منع، بل كلاهما ميزان دقيق، لتربية العباد على الطريق.
لذا -يا رعاكم الله- نصّ أهل العلم على الأدب مع الله في ذكر هذين الاسمين؛ فلا ينبغي أن يُدعى سبحانه باسم "القابض" مفردًا، حتى يُقرَن معه "الباسط"، لما في ذلك من كمال الوصف، وتمام التصرف. قال الحَليمي: "ولا ينبغي أن يُدعَى ربنا جل جلاله باسم القابض حتى يقال معه الباسط". وقال ابن القيم -شمس المحققين-: "من أسمائه الأسماء المزدوجة: كالمعز المذل، والخافض الرافع، والقابض الباسط... فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض".
فسبحان من بيده المقاليد، يفعل ما يريد، هو الخافض الرافع، والقابض الباسط. وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وابن حِبَّان في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ الرَّازِقُ...». وفي دعائه المأثور الوارد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه: «اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ». كما أنشد ابن القيم في نونيته المشهورة:
هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ *** هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
عباد الله: إن الحكمة في البسط والقبض عظيمة، والعلة فيها جسيمة؛ فلو بسط الله الرزق لكل العباد لبغَوا في الأرض، ولو قبضه عنهم لهلكوا. يقول الزجاجي: "باسطٌ رزق من أراد من عباده أن يوسّع عليه، ومقتّرٌ على من أراد، كما يرى في ذلك من المصلحة لهم، فإذا رأيت الرزق قد بُسِط عليك، فاعلم أنه هو سبحانه "الباسط" عليك فضلًا منه ورحمة، فاشكر النعمة. وإذا رأيت الرزق قد قُبض عنك، فاعلم أنه "القابض" حكمةً منه وتربية، فارضَ بالقسمة. فالله لا يظلم عبدًا، ولا يخلف وعدًا: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: 52].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل في أسمائه شفاءً للصدور، وفي صفاته نورًا يجلوا الظلم والديجور. الحمد لله "الباسط" الذي بسط أكف السائلين بالعطايا، وبسط قلوب العابدين بالهدايا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن للإيمان باسم الله "الباسط" آثارًا في النفس عظيمة، وثمارًا في الحياة كريمة، من تدبرها عاش قرير العين، مطمئن البال، مرتاح الحال.
أول هذه الآثار: الأمل والثقة، وطرد اليأس والقنوط: عندما يُوقِن المؤمن أن ربّه هو "الباسط"، يسكن قلبه، ويذهب روعه. فمهما ضاقت الأرزاق، وتكالبت المشاقّ، يعلم علم اليقين أن يد البسط ممدودة، وخزائن الله موجودة ومشهودة. إن الضيق المؤقت في الرزق ليس حرمانًا أبديًّا، بل هو تدبير إلهي، يعقبه فرج وبسط؛ لذلك حذّرنا ربنا من القنوط، فقال جل شأنه: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فالله باسط يديه بالرحمة والرزق دائمًا، كلما دعاه العبد، وكلما أناب إليه. فإذا تشربت النفس هذا المعنى، رفعت عينها إلى السماء بانتظار الفرج، بدلًا من النظر إلى الأرض حسرةً وقلقًا.
وثاني هذه الآثار: السخاء والبذل، والجود والفضل: إن من عرف أن الله هو الباسط، بسط يده للناس بالخير، ولم يخشَ من ذي العرش إقلالًا. فالإيمان بهذا الاسم يدعو إلى الرحابة في العطاء. روى الشيخان عن النبي ﷺ قوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». تأملوا -يا رعاكم الله- هذا الربط العجيب؛ من أراد البسط من الله، فليبسط يده واصلًا رحمه، محسنًا إلى أهله. فالمؤمن الكريم يسخّر ما وسعه الله عليه في المبرّات، يعين المسكين، ويغيث الملهوف، ويعفو عن المسيء. إن البذل بابٌ للبركة، والصدقة قنطرةٌ إلى اتساع الرزق. وكما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وهو صحيح على شرط الشيخين: «مَنْ لَمْ يَرْحَمِ النَّاسَ لَمْ يَرْحَمْهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ». فمن قبض يده عن الخير، حريٌّ أن يُحرَم بركة اسم "الباسط". فكونوا باسطي الأيدي بالمعروف، يبسط الله لكم في الأرزاق والآجال.
وثالث هذه الآثار: التوسل والدعاء، واللجوء والرجاء: يحقّ للمؤمن، بل يُسَنّ له، أن يدعو الله باسمه "الباسط" عند ضيق الحال، وشدة الأهوال. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110]. فإذا ضاقت بك السبل، وأغلقت في وجهك الأبواب، فارفع كفيك إلى السماء، ونادِ: "يا باسط ارزقني، يا باسط فرج كربي، يا باسط ابسط لي من فضلك ورحمتك". إن ذكر هذا الاسم في الدعاء يمنح النفس رجاءً لا يخيب، ويغرس يقينًا بإجابة القريب المجيب.
أيها الأحبة في الله: تذكروا دومًا سعة الله ورزقه، ولا تيأسوا من روح الله. وتخلقوا بأخلاق الكرام؛ فارحموا الصغير، وأعطوا الفقير، واعلموا أن الذي يوسّع للناس في دنياهم، يوسّع الله له في رزقه وقبره وأُخراه.
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الرحمةِ المهداة، والنعمةِ المسداة، محمد بن عبد الله، كما أمركم اللهُ في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم يا باسط اليدين بالعطايا، يا من إذا أُعطي أجزَل، وإذا سُئل أجاب، نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، وباسمك "الباسط" الأعظم؛ اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت. اللهم وسع أرزاقنا، ويسر أمورنا، واشرح صدورنا، واشف مرضانا، وارحم موتانا. اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك. اللهم يا قاضي الحاجات، ويا مجيب الدعوات، اقضِ حوائجنا، ويسر عسيرنا، واجعلنا من عبادك الشاكرين الذاكرين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
أقم الصلاة.