المؤمنُ
المُصدِّقُ رسلَه وواهبُ الأمنَ لخَلْقِه
أولًا: معنى الاسم والتعريف به
اسم «المؤمن» من الأسماء الحسنى الجليلة التي تبعث في النفس الطمأنينة والسكينة، وهو مشتق من الجذر اللغوي (أ م ن) الذي يحمل معاني التصديق والأمان. وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد ضمن سياق سرد الأسماء الحسنى في سورة الحشر، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: 23].
في اللغة العربية، يدور معنى «المؤمن» حول محورين رئيسين، هما: التصديق، والأمان الذي هو ضد الخوف. قال ابن الأثير: «فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: "المُؤْمِن": هُوَ الَّذِي يَصْدُق عبادَه وعْدَه: فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ: التَّصديق، أَوْ يُؤَمِّنُهُمْ فِي القِيَامَةِ مِنْ عَذَابِهِ، فَهُوَ مِنَ الأَمَان، والأَمْن ضِدُّ الْخَوْفِ»[1]، وقال ابن منظور: «والإيمانُ: التّصديقُ... والإيمانُ: الثِّقَة»[2]، فاسم «المؤمن» اسم فاعل للموصوف بصفة الإيمان (بمعنى التصديق) أو بصفة التأمين (بمعنى منح الأمان).
أما في الاصطلاح الشرعي وعند أهل السنة والجماعة، فإن اسم الله «المؤمن» يجمع بين معانٍ عظيمة من صفات الجلال والجمال، وقد تنوعت عبارات السلف في تفسيره على وجوه تتكامل ولا تتعارض، وتعود في مجملها إلى: المصدِّق لنفسه ولرسله وللمؤمنين، والمؤمِّن لخلقه من عذابه ومن الظلم. يقول ابن جرير الطبري في تفسير ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: 23]: «يعني بالمؤمِن: الّذي يُؤمن خلقَه من ظُلمه. وكان قتادة يقول في ذلك... (الْمُؤْمِنُ): آمنَ بقوله أنه حقّ... قال ابن زيد في قوله: (الْمُؤْمِنُ) قال: المُؤمِن: المُصدّق المُوقِن: آمَن الناسُ بربهم فسمّاهم مؤمنين، وآمن الرّبُّ الكريم لهم بإيمانهم: صدّقهم أن يُسمَّى بذلِك الاسم»[3]، فالله سبحانه هو الذي وهب عباده الأمان، وأمَّنهم من أن يجور عليهم، وهو الذي صدق ظنون عباده المؤمنين، وصدق وعده لهم بالثواب.
إذن في العموم يُفهَم من أقوال العلماء أن اسم "المؤمِن" يحتمل معانيّ عديدة، منها: المصدق لرسله فيما أظهروا من الآيات والبراهين والمعجزات، وما تلوه من البينات بما أسمعهم من وحيه، وحججه وبيانه، والمصدِّق للمؤمنين فيما وعدهم من الثواب، وللكافرين فيما أوعدهم من العقاب، والذي أمّن أولياءه من عذابه، ويأمن عبادُه ظلمَه.[4] «فالاسم على هذا يتضمن صفة الذات وصفة الفعل»[5].
ثانيًا: وقفات مع الاسم (أسرار ودلالات)
الوقفة الأولى: المؤمِن هو المُصدِّق الصادق في وعده: من أسرار هذا الاسم العظيم أن الله تعالى هو الذي يصدِّق عباده المسلمين في إيمانهم، ويصدِّق رسله فيما بلَّغوا عنه. وتصديق الله تعالى يكون بقوله وفعله؛ فبقوله كما أخبر في كتبه أنه صادق، وبفعله حيث يؤيّد رسله بالمعجزات الباهرة التي تنزل منزلة القول: (صدق عبدي فيما يبلغ عني). ويذكر الزجّاج أن معنى المؤمِن هو المصدِّق وأنّ أصل الإيمان هو التصديق والثقة، وفسّر(مؤمِن) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17] بمصدِّق لنا[6]. فالله تعالى هو الذي صدّق ظنون عباده المؤمنين، فما من عبد ظنّ بالله خيرًا إلا وجد اللهَ عند ظنّه، مصداقًا للحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»[7].
الوقفة الثانية: المؤمن هو مصدر الأمن والأمان: لا أمان في هذا الكون إلا من الله، فهو واهب الأمن في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا أمَّنهم من الخوف، وفي الآخرة يؤمِّنهم من الفزع الأكبر. واسم «المؤمن» يحمل دلالة نفي الخوف ومنح السكينة، فإذا خاف العباد من الظلم، فإن الله هو «المؤمِن» الذي حرّم الظلم على نفسه، وجعل العدل أساس ملكه، فيطمئن العبد أنه لن يُظلَم مثقال ذرة.
الوقفة الثالثة: شهادة الله لنفسه بالوحدانية: من أجلّ معاني اسم «المؤمن» أنه سبحانه شهد لنفسه بالوحدانية قبل أن يشهد له بها خلقه، وشهادته سبحانه هي أصدق الشهادات وأعظمها. «وَقَالَ مجاهد: "المُؤْمِن" الذي وحّد نفسَه بقول: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]»[8].
الوقفة الرابعة: التلازم بين الإيمان والأمن: هناك سر بديع في اشتراك "الإيمان" و"الأمن" في الجذر اللغوي نفسه، فالله هو "المؤمِن" الذي وهب "الإيمان" لعباده، ومن آمن به حصل له "الأمن"، فمن حقق الإيمان بالله (المؤمن)، استحق الأمن منه سبحانه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
ثالثًا: أثر اسم (المؤمن) في حياة المسلم
- الطمأنينة والثقة بوعد الله: إن إيمان العبد بأن ربه هو «المؤمن» يورثه سكونًا ويقينًا بأن وعد الله حق، وأنه سبحانه لا يخلف الميعاد، وأنه سيصدق عباده ما وعدهم من النصر والتمكين والثواب. هذا اليقين يطرد الخوف من المستقبل والقلق على الرزق والأجل، لأن "المؤمن" سبحانه قد تكفل بذلك وأمَّن عباده من الضيعة. يقول الحَليمي في بيان أثر هذا الاسم: «ومنها المؤمن: ومعناه المصدِّق؛ لأنه إذا وعد صدق وعده، ويحتمل المؤمن عباده بما عرّفهم من عدله ورحمته من أن يظلمهم ويجور عليهم»[9]، فعلى المسلم أن يطمئن لركن الله الشديد.
- تحقيق الأمن في المجتمع :التعبد باسم الله «المؤمن» يقتضي أن يكون المسلم مصدرًا للأمن والسلام لمن حوله، لا مصدرًا للخوف والأذى. فكما أن الله أمَّن خلقه من ظلمه، يجب على المؤمن أن يؤمن الناس من شره وظلمه. وقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»[10]، فالمؤمن الحق هو الذي يتمثل صفة الأمانة والصدق، فيأمنه الناس على أسرارهم وحقوقهم وأنفسهم، اقتداءً بالخالق جلّ وعلا الذي هو أصل الأمن ومصدره.
- الصدق في الأقوال والأفعال: بما أن «المؤمن» يعني «المصدِّق»، فإن حظ العبد من هذا الاسم أن يكون صادقًا في إيمانه، مصدِّقًا بقلبه ولسانه وجوارحه، غير مكذِّب لآيات الله. يقتضي ذلك أن يوافق باطنُ العبد ظاهرَه، وسرُّه علانيتَه. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: «"المؤمن" الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، يدل على صدقهم وصحة ما جاؤوا به»[11]، فعلى العبد أن يكون برهانًا صادقًا على إيمانه، صادق اللهجة، أمينًا في النقل، بعيدًا عن الغدر والخيانة والكذب.
- اللجوء إلى الله لطلب الأمان من الفزع :عند اشتداد المخاوف وحلول المصائب، يفر العبد إلى ربه «المؤمن» طالبًا منه الأمن والحماية. فهو وحده القادر على أن يبدل خوف عباده أمنًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55]. والتوسل بهذا الاسم عظيم النفع في دفع البلاء والظلم. فمن خاف ظلم ظالم أو بطش جبار، فليلجأ إلى «المؤمن» الذي أمَّن خَلْقه من الجَوْر، ولْيَدْعُه أن يؤمِّنه في سِرْبه ونفسه ودينه. وقد كان النبي ﷺ يسأل الله العافية والأمن، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ... اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي»[12]، فطلب "أمن الروعات" هو طلبٌ لمقتضى اسم الله "المؤمن".
قائمة المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم
- اشتقاق أسماء الله، عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق: د. عبد الحسين المبارك، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1406هـ، 1986م
- تفسير أسماء الله الحسنى؛ أبو إسحاق إبراهيم بن السريّ الزَّجَّاج، تحقيق أحمد يوسف الدقاق، دمشق، بيروت: دار المأمون للتراث، ط5، 1406ه، 1986م
- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ.، 1999م
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1423هـ، 2002م
- جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ، 2000م
- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة، ط1، 1422ه
- الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ، 1964م
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي، ط1، د. ت
- سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السِّجِسْتاني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، صيدا، بيروت: المكتبة العصرية، ط1، د. ت
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1395هـ، 1975م
- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين، ط4، 1407هـ ، 1987م
- لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي، بيروت: دار صادر، ط3، 1414هـ
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرينَ، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ، 2001م
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، د.ت
- المنهاج في شعب الإيمان، الحسين بن الحسن البخاري الجرجاني، أبو عبد الله الحَلِيمي، تحقيق: حلمي محمد فودة، بيروت: دار الفكر، ط1، 1399هـ، 1979م
- النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية، ط1، 1399هـ، 1979م
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، د. ت
الحواشي
- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 1/ 69
- لسان العرب لابن منظور 13/ 26، ويُنظَر: الصحاح للجوهري 5/ 2071
- جامع البيان للطبري 23/ 302-304
- يُنظَر: تفسير أسماء الله الحسنى للزجّاج 31-32، واشتقاق أسماء الله للزجّاجي 221-223، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/ 80، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 45-46، وتيسير الكريم المنان للسعدي 854، والنهج الأسمى لمحمد الحمود النجدي 124-125
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/46
- يُنظَر: تفسير أسماء الله، الزجاج 32
- صحيح البخاري 9/ 145، وصحيح مسلم 4/ 2067
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 46
- المنهاج في شعب الإيمان للحَلِيمي 1/ 202
- سنن الترمذي 5/ 17، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
- تيسير الكريم الرحمن 947
- مسند الإمام أحمد بن حنبل 8/ 403، وفي هامشه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات». ويُنظَر: سنن أبي داود 4/ 318، وسنن ابن ماجه 2/ 1273